في ديسمبر من عام 2016، نزل رجل في فندق من فئة الخمس نجوم في حي نايتسبريدج بالعاصمة البريطانية لندن؛ كان اسمه أبراهام غولان، وهو جندي سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي أدار شركة عسكرية خاصة انطلاقاً من الولايات المتحدة. وقبل ذلك بعام، كان غولان في اليمن يتلقى ملايين الدولارات من دولة الإمارات لإدارة ما وصفه هو نفسه بأنه "برنامج اغتيالات موجهة". والآن، بات في لندن مكلفاً بمراقبة مواطن بريطاني والتجسس عليه.
لم يكن أنس التكريتي يعلم أنه هدف للإمارات إلا بعد مرور قرابة عشر سنوات، وتحديداً اليوم عندما كشفت له شبكة "آي تي في نيوز" (ITV News) عن هذا الأمر. وكانت الشرطة البريطانية قد زارته في ذلك الوقت وحذرته من أن حياته قد تكون في خطر، غير أنها أبلغته بعدم قدرتها على توضيح السبب.
التكريتي هو أكاديمي بريطاني، ومفاوض سابق في قضايا إطلاق سراح الرهائن، ويرأس مؤسسة أبحاث تتخذ من لندن مقراً لها وتُدعى "مؤسسة قرطبة". وفي عام 2014، أدرجت الإمارات مؤسسة قرطبة على قوائم الإرهاب زاعمةً وجود صلات تربطها بجماعة الإخوان المسلمين، التي تصنفها الإمارات منظمة إرهابية، في حين لا تفعل الحكومة البريطانية ذلك؛ بل إن مراجعة رسمية بريطانية أجريت عام 2015 خلصت إلى عدم وجود أي دليل يثبت تورط الجماعة في أي نشاط إرهابي داخل بريطانيا.
وقد شكل هذا الملف خلافاً طويل الأمد بين البلدين؛ إذ تتهم الإمارات الجماعة منذ سنوات بتهديد نظامها السياسي وسعت إلى كبح نفوذها الإقليمي منذ اندلاع ثورات الربيع العربي. وتؤكد جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في القاهرة عام 1928، أنها منظمة سلمية ترغب في المشاركة بالعملية السياسية ديمقراطياً، غير أن العديد من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة تعدها تهديداً رئيسياً لها.
من جانبها، ردت وزارة الداخلية البريطانية على شبكة "آي تي في نيوز" التي كشفت هذه القصة بالقول إنها لا تعلق على المسائل الأمنية والاستخباراتية، فيما لم يصدر أي رد من الجانب الإماراتي أيضاً. ولكن ينضم إلينا هنا أنس التكريتي نفسه ليروي روايته للأحداث. أهلاً بك يا أنس، ويسعدنا حضورك معنا في البرنامج.
إليكم نص مقابلة مصورة أجرتها معها صحيفة "ميدل ايست آي" البريطانية ترجمتها "الإمارات 71":
لقد علمت بهذا الأمر بعد مرور قرابة عشر سنوات على حدوثه، وتحديداً حين عُرضت عليك تلك الملفات والصور التي توثق منزلك وسيارتك؛ ما الذي دار في ذهنك حينها؟
في واقع الأمر، كنت دائماً أرجح أنني مدرج على "القائمة السوداء" لنظام مثل النظام الإماراتي، وهو أمر أعتبره شخصياً وسام شرف؛ إذ إنه من الجيد دائماً أن تكون غير مرغوب فيك لدى الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية المارقة. ولكن، على الرغم من شكوكي الدائمة، وتعرضي للإغلاق التعسفي لحساباتي المصرفية عشرات المرات على مدى السنوات الاثنتي عشرة أو الثلاث عشرة الماضية، فإن رؤية تلك المراسلات ورسائل تطبيق "واتساب" بين الفريق الذي كان يراقبني بأم عيني، والاطلاع على مدى دقة تلك المراقبة وتفاصيل مسارات تحركاتي من المنزل إلى العمل، وتوصيل أطفالي إلى المدرسة، والمسجد الذي أتردد عليه، والمكان الذي كنت سألقي فيه محاضرة على سبيل المثال؛ كل ذلك الموثق بالأسود والأبيض غمرني بمشاعر جياشة لم أكن أتوقعها على الإطلاق.
لكن عند التفكير في الأمر بعمق، ولا سيما الآن بعد أن استوعبت الصدمة وأتيح لي الوقت للتأمل، أعتقد أن السؤال الأكبر الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما الذي كانت تعرفه السلطات البريطانية عن هذا الأمر؟ فبكل صراحة، وبناءً على ما نعرفه جميعاً عن النظام الإماراتي، فإننا لا نستبعد إطلاقاً أن يُقدم على ارتكاب مثل هذه الجريمة، وهي جريمة لا تكاد تُذكر إذا ما قورنت بالجرائم المرتكبة في السودان أو اليمن أو ليبيا أو غيرها من الدول التي ترعى فيها الإمارات عمليات إبادة جماعية وجرائم حرب من شتى الأنواع.
بيد أن توقعاتي من حكومة بلادي أعلى بكثير؛ إذ كان من المفترض أن تتم حماية حرياتي المدنية، وأن تُصان حريتي، وأن يُضمن لي الأمان على أقل تقدير للتعبير عن آرائي وانتقاد من أشاء، في الوقت الذي التزمت فيه طوال حياتي بالقانون نصاً وروحاً؛ إذ لم يسبق للسلطات أن استجوبتني قط، ولم تُوجّه إلي أي تهمة بارتكاب أي جريمة. وبالتالي، فإن كوني مواطناً ملتزماً بالقانون كان يقتضي أن يضمن لي قدراً من الأمن والسلامة من جانب دولتي.
لذا فإن التساؤل الملحّ الآن هو: إلى أي مدى كانت حكومتي وأجهزتي الأمنية والبريطانية على علم بهذا المخطط؟ وإذا كانوا على علم به، فلماذا لم يخبروني أو على الأقل يحذروني أو يحموني؟ وإن كانوا لا يعلمون، فإن ذلك بحد ذاته يعد كارثة حقيقية.
إن صفتي كمواطن بريطاني تجعل هذا الأمر لا يملؤني بالخوف والهلع وحدي فحسب، بل ينبغي أن يثير فزع الجميع؛ كيف لنظام سلطوي استبدادي مارق مثل دولة الإمارات أن يتغلغل داخل مجتمعنا وينتهك الحريات المدنية وحقوق المواطنين والمؤسسات على حد سواء؟ ودعونا لا ننسى أنه طوال هذه الفترة، تعرضت مؤسستي البحثية "مؤسسة قرطبة"، إلى جانب العديد من المنظمات البريطانية الأخرى العاملة بموجب القانون البريطاني، التجاري منه والقانوني، للهجوم والتشهير والافتراء من قبل دولة الإمارات. والسؤال يظل قائماً: كيف يمكن لمثل هذا أن يحدث؟ وما هو رد حكومتنا بعد أن طفت هذه الحقائق على السطح؟.
أعتقد أنه من المهم للجمهور أن يدرك هنا أن الأمر لم يقتصر على مجرد المراقبة والتجسس -على الرغم مما ينطوي عليه ذلك من انتهاك صارخ للخصوصية- بل إن أحد الاجتماعات شهد بحسب المزاعم مناقشة إمكانية "تصفيّتك جسدياً". وقد نُقل هذا إلى شبكة "آي تي في" من قِبل شخص وظفه غولان، حيث ذكر أن الأخير أشار بيده بحركة تمرير الأصابع على عنقه في إشارة إلى قتلك. وكما ذكرت، كان لديك طفلان صغيران في ذلك الوقت، وقد زارتك الشرطة بالفعل وأبلغتك بأن حياتك قد تكون في خطر، لكنهم صرحوا بعدم قدرتهم على إخبارك بالسبب. ما هو شعورك حين تتلقى مثل هذا التحذير دون أي معلومات إضافية؟ وهل كانت لديك أي فكرة حينها عما يمكن أن يتعلق به هذا التهديد؟
أتذكر ذلك بوضوح شديد؛ كنت خارج البلاد حين اتصل بي ابني وأخبرني بأن الشرطة قد جاءت وسألت عني، فأخبروهم أنني سأعود خلال بضعة أيام، ولم يفصح أفراد الشرطة عن أي شيء. فقلت في نفسي: "ربما هو مجرد فحص روتيني أو ما شابه". وبعد يومين، اتصل بي مجدداً ليخبرني بأنهم عادوا مرة أخرى، وبدا إصرارهم أكبر لمعرفة مكان تواجدي، وتركوا هذه المرة رقم هاتف للتواصل.
فاتصلت بهم، ليجيبني شخص على الطرف الآخر قائلاً: "نحن ملزمون بإبلاغك بـ 'إخطار عثمان' (Osman Notice)"، وكانت تلك أول مرة أسمع فيها بهذا الإجراء. وأوضح لي ضابط الشرطة أن هذا الإخطار يوجّه إليك لإبلاغك فور تلقينا معلومات استخباراتية تفيد بأن حياتك قد تكون في خطر.
فسألته: "حسناً، شكراً لك، ولكن ما الذي ينبغي عليّ فعله الآن؟ هل أعود إلى المنزل؟ هل أغير محل سكني؟ هل أنقل عائلتي إلى مكان آخر؟ ماذا أفعل؟"، فأجابوا: "لا يمكننا إخبارك بأي شيء". فسألتهم: "ما هو مصدر هذا التهديد؟"، فكان ردهم: "لا يمكننا إخبارك بأي شيء على الإطلاق". وهكذا، باستثناء تسليمي ذلك الإخطار وكأنهم مجرد يؤدون واجباً روتينياً بإسقاط المسؤولية عن أنفسهم، لم يقدموا أي شيء آخر على الإطلاق. وهذا بحد ذاته تصرف عبثي، غير أن هذه هي طبيعة "إخطار عثمان" على ما يبدو.
ولكن أكرر مجدداً؛ التساؤلات تظل قائمة: من الواضح أن السلطات والشرطة البريطانية كانت على علم بحدوث أمر ما، وإذا كانت الأمور بالخطورة والجسيمات التي كشف عنها تقرير "آي تي في"، فإن امتناع الشرطة عن إبلاغي بوجود تهديد فعلي وبأن هناك شخصاً يخطط لاغتيالي، هو أمر لا يصدق على الإطلاق برأيي، ويستوجب فتح تحقيق شامل.
ما هو التفسير الذي خرجت به الآن؟ ولماذا تعتقد أن الإمارات استهدفتك أنت شخصياً؟
لا يساورني أدنى شك في السبب؛ فقد كان موقفي دائماً ينصب على نشر الديمقراطية والحريات وترسيخ الحقوق المدنية في كل مكان. وعندما اندلعت ثورات الربيع العربي عام 2011، كنت من أشد الداعمين للحركات الشعبية في مصر وتونس وغيرها من البلدان التي لحقت بها.
وقد رأت دولة الإمارات، شأنها شأن أنظمة أخرى في مجلس التعاون الخليجي، أن ذلك لا يروق لها، واعتبرته تهديداً كبيراً لمكانتها ومواقع سلطتها. وقد أبلغوني بذلك صراحة وبوسائل وعبارات شتى؛ كان من بينها سحب أي دعوة كانت قد وُجهت إليّ لزيارة تلك الدول، وفي أوقات أخرى عبر قيام سفاراتهم بالتواصل معي ومطالبتي بعدم زيارتهم مجدداً على الإطلاق.
لذا، فإن وجودي على قائمتهم السوداء لم يكن مفاجئاً بالنسبة لي، لكن المفاجأة الحقيقية -كما أسلفت في البداية- تكمن في المدى والحدود التي هم على استعداد للوصول إليها لإسكات صوتي. إن أولئك الإصلاحيين في دولة الإمارات القابعين في السجون منذ أكثر من 13 عاماً، والذين يستحق الكثير منهم كل الدعم والتقدير لتضحيتهم بكل شيء في سبيل نيل الحرية والديمقراطية، كان لوقوفي إلى جانبهم ودفاعي عنهم بكل ما أوتيت من قوة أثر كبير في إثارة غضب الإمارات، وبدا جلياً أنهم يريدون إسكاتي بأي ثمن كان.
ومرة أخرى يبرز السؤال: ما الذي تفعله حكومتي إزاء ذلك؟ فإما أنهم يدعمون دولة الإمارات في أساليبها الاستبدادية، وحينئذ يتعين عليهم أن يخرجوا إلى العلن ويعلنوا ذلك صراحة، أو إذا كانت الحكومة تؤمن حقاً بالحرية والحقوق المدنية وحقوق الإنسان وما شابه، فعليها أن تتخذ موقفاً مغايراً تماماً.
إن واقع كون دولة الإمارات واحدة من أقوى حلفائنا هو أمر لا يليق بحكومتنا ولا بمجتمعنا. وإن كون الإمارات مستثمراً ضخماً في أنديتنا الرياضية لكرة القدم، وفي فعالياتنا الرياضية، وعروض المشاهير، وأسواقنا المالية، وبنوكنا، لأمر يفصح بجلاء عن الواقع الذي آل إليه مجتمعنا والوجهة التي نسير نحوها، ومن الذي يملك حق القرار الفعلي بالنيابة عن حقوقنا. وكما ذكرت، فقد أُغلقت حساباتي المصرفية عشرات المرات، ولا يساورني أدنى شك في أن عمليات الحرمان المصرفي تلك تمت بإيعاز من حكومة الإمارات ونظامها.
إذن، ما الذي تود أن تراه تحديداً من حكومتك البريطانية رداً على هذه التطورات؟
أعتقد أن هناك حاجة ملحة لفتح تحقيق أوسع نطاقاً. فقصتي -كما قلت- تتضاءل أمام الجرائم التي يرتكبها النظام الإماراتي، لكنها تستحق تحقيقاً شاملاً لكشف مدى تغلغل النفوذ الإماراتي في السياسة البريطانية على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وأعتقد أنه قد حان الوقت لحكومتنا أن تتحلى بالجرأة والشجاعة لتقف وتقول: "اسمعوا، مهلاً.. يمكننا أن نكون أصدقاء، لكن الصداقة لا تأتي دون شروط؛ وشروطنا هي أن تحترموا حرياتنا، وأن تحترموا مواطنينا، وألا تنتهكوا حقوق المدنيين في ممارسة حياتهم كما يستحقون".
- أنس التكريتي، شكراً جزيلاً لك.