كشف تحقيق أجرته قناة ITV News البريطانية عن عملية مراقبة سرية نُفذت في لندن عام 2016، واستهدفت الناشط والأكاديمي البريطاني من أصول عربية أنس التكريتي، ونفذها المرتزق أبراهام غولان، الذي قالت القناة إنه كان يعمل لصالح أبوظبي ويتلقى تمويلاً منها.
وبحسب التحقيق، تضمنت العملية جمع معلومات دقيقة عن منزل التكريتي ومكان عمله وتحركاته، فيما حذرت الشرطة البريطانية لاحقاً الناشط من وجود تهديدات محتملة على حياته، من دون أن تكشف له طبيعة تلك التهديدات أو الجهة التي تقف وراءها.
وأشار التحقيق إلى أن غولان كان قد عمل قبل ذلك في اليمن، حيث قاد مجموعة من المحاربين القدامى الغربيين ضمن شركة سبير أوبريشنز غروب، التي قال التحقيق إن الإمارات تعاقدت معها لتنفيذ عمليات سرية ضد شخصيات سياسية اعتبرتها أبوظبي مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.
مهمة سرية في لندن
يروي التحقيق أن غولان وصل إلى لندن في ديسمبر 2016، وأقام في فندق بولغاري بمنطقة نايتسبريدج، حيث التقى بأشخاص شاركوا لاحقاً في العملية. وتقول ITV News إن غولان كان في المملكة المتحدة لتنفيذ عملية مراقبة ضد التكريتي، وإن سجلات إماراتية سرية اطلعت عليها القناة أظهرت أنه كان يتلقى أموالاً من الإمارات خلال الفترة التي جرى فيها التخطيط للعملية وتنفيذها.
ووفقاً للتحقيق، تضمنت تلك المدفوعات راتباً سنوياً كبيراً ومكافآت مالية ضخمة، من بينها مليون دولار حصل عليها غولان قبل أسابيع من وصوله إلى لندن مقابل عملية سابقة في اليمن.
ولم يكن غولان يعمل بمفرده، إذ رافقه في بريطانيا جندي سابق في القوات البحرية الأميركية الخاصة، فيما استعان أيضاً بخبير استراتيجي بريطاني أطلقت عليه القناة اسم «فيكتور» لدواعٍ أمنية.
وكشفت رسائل إلكترونية ورسائل عبر تطبيق واتساب اطلعت عليها ITV News أن غولان طلب من «فيكتور» البحث عن قنوات للتواصل مع التكريتي ومؤسسة قرطبة التي يرأسها، قبل أن يطلب منه لاحقاً مساعدته في استدراج الناشط إلى لقاء بهدف جمع معلومات عنه.
وعرض غولان على فيكتور 50 ألف جنيه إسترليني مقابل مساعدته، قبل أن يرفع المبلغ إلى 100 ألف جنيه، على أن يتم تحويل الأموال عبر حساب خارجي وطرف ثالث.
مراقبة منزل التكريتي وتحركاته
أظهرت الوثائق التي حصلت عليها القناة أن فريق غولان أعد ملف مراقبة يتضمن صوراً لمنزل التكريتي وسيارته، إلى جانب صور لمقر عمله وخرائط جوية تحدد الطرق المحتملة التي يسلكها للوصول إلى مكتبه.
كما تضمنت الرسائل أسئلة تفصيلية حول عنوان منزل التكريتي ومقر مؤسسة قرطبة، والأماكن التي يرتادها، والطرق التي يستخدمها في تنقلاته اليومية.
وقال فيكتور للتحقيق إنه بدأ يشعر بالقلق مع اتساع نطاق العملية، خصوصاً بعد أن أخذت المناقشات منحى أكثر خطورة.
وبحسب شهادته، ألمح مساعد غولان خلال أحد الاجتماعات إلى احتمال تصفية التكريتي جسدياً، الأمر الذي دفعه إلى الاعتقاد بأن المهمة قد لا تقتصر على المراقبة وجمع المعلومات.
وقال فيكتور إنه رفض مواصلة المشاركة في العملية، رغم استمرار غولان في الضغط عليه وتوجيه رسائل تطالبه بتكثيف جمع المعلومات الاستخبارية.
وفي إحدى الرسائل، كتب غولان: «سنحتاج إلى تكثيف جهودنا في جمع المعلومات الاستخباراتية»، مضيفاً أن الفريق سيكون جاهزاً للعمل في لندن اعتباراً من 15 ديسمبر.
تحذير من الشرطة البريطانية
غادر غولان لندن في 14 ديسمبر، لكنه أبلغ «فيكتور» بأن العملية لا تزال مستمرة وأن فريقه موجود في العاصمة البريطانية.
وفي وقت لاحق، تواصلت الشرطة البريطانية مع التكريتي وحذرته من وجود تهديدات تستهدف سلامته، من دون أن تكشف له تفاصيل إضافية بشأن مصدرها أو طبيعتها.
وقال التكريتي إن الشرطة أبلغته بأنه في خطر، لكنها لم تكن مخولة بإخباره بمصدر الخطر أو نوعه أو الإجراءات التي يمكنه اتخاذها لتقليله.
وأوضح أن أحد الضباط سأله آنذاك عما إذا كان يعرف ما يسمى «إشعار عثمان»، وهو إجراء تستخدمه الشرطة عندما تتوافر لديها معلومات تشير إلى احتمال تعرض حياة شخص للخطر.
وقال التكريتي إن تلك التحذيرات جعلته أكثر حذراً، لكنه لم يعرف حقيقة ما كان يجري خلفها إلا بعد أن أطلعته ITV News مؤخراً على الوثائق والرسائل المتعلقة بالعملية.
لماذا استهدف التكريتي؟
يربط التحقيق بين استهداف التكريتي والخلاف الإماراتي البريطاني بشأن جماعة الإخوان المسلمين.
ففي نوفمبر 2014، أدرجت الإمارات 83 منظمة على قائمة الجهات المحظورة بموجب قوانين مكافحة التطرف، بينها منظمات بريطانية مثل منظمة الإغاثة الإسلامية، والرابطة الإسلامية في بريطانيا، ومؤسسة قرطبة التي يرأسها التكريتي.
وأثارت الخطوة آنذاك قلقاً داخل الحكومة البريطانية، إذ تظهر رسائل بريد إلكتروني داخلية أن مسؤولين بريطانيين طالبوا الإمارات بتقديم الأدلة التي استندت إليها في تصنيف تلك المنظمات.
وبحسب التحقيق، كانت أبوظبي ترى في مؤسسة قرطبة ارتباطاً أيديولوجياً بجماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبرها الإمارات تهديداً لنظامها السياسي، بينما نفت المؤسسة باستمرار وجود ارتباط رسمي بينها وبين الجماعة.
كما أشار التحقيق إلى أن والد أنس التكريتي، أسامة التكريتي، سبق أن ترأس الحزب الإسلامي العراقي المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين.
وقال أنس التكريتي إنه درس فكر الجماعة ويعتبره «أيديولوجية مشروعة» لمن يسعون إلى التحرر من الظلم، لكنه شدد على أنه بريطاني ولم يرتكب أي مخالفة.
من اليمن إلى لندن
يعود التحقيق إلى نشاط غولان في اليمن عام 2015، عندما استعانت الإمارات بشركة «سبير أوبريشنز غروب» التي يملكها لتشكيل فريق من المحاربين القدامى وتنفيذ عمليات سرية ضد شخصيات سياسية.
وكان النائب اليمني أنصاف علي مايو من بين الأهداف المبكرة للعملية، حيث زرع فريق غولان متفجرات في مبنى مكتبه، لكنه نجا من محاولة الاغتيال وغادر لاحقاً إلى السعودية.
واعترف غولان في وقت سابق بدوره في برنامج الاغتيالات، قائلاً لموقع «بازفيد نيوز» إن برنامجاً للاغتيالات المستهدفة كان قائماً في اليمن وإنه كان يديره، مؤكداً أنه نُفذ بموافقة أبوظبي ضمن التحالف.
كما قال ديل كومستوك، أحد أعضاء فريق غولان في اليمن والمحارب السابق في القوات الخاصة الأميركية، لـITV News إن الفريق كان يعمل نيابة عن أبوظبي، ووصف أفراده بأنهم كانوا «بكل المقاييس جنوداً إماراتيين».
صلة بين عمليات اليمن ومهمة لندن
بحسب التحقيق، عاد غولان إلى التواصل مع الخبير البريطاني «فيكتور» في نوفمبر 2016، أي بعد نحو عام من بداية عملياته في اليمن.
وفي رسالة بتاريخ 17 نوفمبر، طلب غولان معرفة ما إذا كان لدى «فيكتور» أي قنوات للتواصل مع أنس التكريتي ومؤسسة قرطبة، وأرفق رابطاً لصفحة التكريتي على ويكيبيديا، طالباً إبقاء الأمر «سرياً للغاية».
وتكشف الرسائل اللاحقة، وفق ITV News، أن غولان تحدث عن «حرب قادمة إلى أوروبا» وعن بداية «برنامج ضخم»، في وقت كانت فيه العلاقات البريطانية الإماراتية تشهد تقارباً دبلوماسياً واقتصادياً.
وبعد نحو أسبوعين من ذلك التواصل، زار الأمير تشارلز آنذاك أبوظبي لتعزيز العلاقات بين البلدين، فيما لم يكن المسؤولون البريطانيون، وفق التحقيق، على علم بأن مرتزقة يزعمون العمل لصالح الإمارات كانوا يخططون لعملية سرية في الأراضي البريطانية.
الإمارات تنفي ضمناً.. وغولان يرفض التعليق
قالت ITV News إن الأدلة التي جمعتها لا تثبت ما إذا كانت العملية في لندن قد صدرت مباشرة عن مسؤولين داخل الحكومة الإماراتية، أم أن غولان بادر إليها مستنداً إلى معرفته بموقف أبوظبي من التكريتي.
لكن التحقيق أشار إلى أن غولان كان يتلقى أموالاً من الإمارات خلال وجوده في لندن، وكان يقدم نفسه باعتباره يعمل نيابة عنها، فيما تظهر رسائله أنه كان يتلقى توجيهات مرتبطة بالمهمة.
وبعد أسبوعين من عودته إلى الولايات المتحدة، كشفت حسابات قُدمت في الإمارات عن مدفوعات بملايين الدولارات تلقاها غولان من السلطات الإماراتية خلال الأشهر السابقة، بينها رواتب ومكافآت.
ورفض غولان تقديم رد مفصل على أسئلة ITV News، مكتفياً بالقول إنه لا يملك ما يصرح به، وإنه يثق بأن القناة ستؤدي عملها، فيما لم يرد مساعده السابق في القوات الخاصة الأميركية على طلبات التعليق.
كما لم تصدر سفارتا الإمارات في بريطانيا والولايات المتحدة رداً على نتائج التحقيق.
من جانبها، قالت وزارة الداخلية البريطانية إن سياستها الراسخة تتمثل في عدم التعليق على المسائل الأمنية والاستخباراتية.
ويترك التحقيق سؤالاً مفتوحاً بشأن حدود النشاط الذي يمكن أن تقوم به جهات أو أفراد يعملون لحساب دولة أجنبية على الأراضي البريطانية، وما إذا كانت عملية غولان تمثل مهمة استخباراتية غير معلنة أم تجاوزاً إلى نشاط عدائي داخل المملكة المتحدة.