لم تعد الفعاليات الإعلامية الخليجية مجرد منصات للحوار أو تبادل الرؤى، بل باتت في بعض الأحيان ساحة تعكس تبايناً أوسع في الرؤى السياسية وتنافساً ناعماً على التأثير وصياغة الخطاب الإقليمي، وفي هذا السياق، جاءت فعالية “مؤثري الخليج” في دبي لتفتح باباً جديداً من الجدل حول حدود هذا الخطاب المشترك، ومن يملك القدرة على تمثيله أو توجيهه.
وبينما رُوّجت أبوظبي وإعلامها الرسمي للفعالية باعتبارها خطوة نحو توحيد السردية الخليجية، أثارت بعض مداخلاتها ومشاركاتها تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي تم تمريرها، وحساسية الملفات السياسية التي جرى التطرق إليها، بما يعكس عمق التباينات داخل المشهد الإعلامي والسياسي في المنطقة.
في هذا السياق، برزت مشاركة الصحفي عبدالعزيز الخميس كأحد أكثر العناصر إثارة للجدل داخل الفعالية، إذ قُدمت مداخلاته ضمن نقاشات تتعلق بالخطاب الإعلامي الخليجي المشترك، رغم كونه شخصية تُعرف بمواقفها النقدية تجاه السياسات السعودية.
هذا الحضور فتح باب التساؤلات حول طبيعة المعايير التي تحكم اختيار المشاركين، وحدود تمثيلهم لبلدانهم أو لتياراتهم الفكرية داخل مثل هذه المنصات.
وبحسب ما أظهرته بعض الجلسات، فإن النقاشات لم تقتصر على الجانب الإعلامي البحت، بل امتدت إلى قضايا سياسية إقليمية حساسة، ما جعل الفعالية تبدو أقرب إلى مساحة لتقاطع الرسائل السياسية غير المباشرة، أكثر من كونها منصة مهنية لتنسيق الخطاب الإعلامي الخليجي.
وركزت وسائل إعلام رسمية إماراتية على الترويج للفعالية باعتبارها تجمعاً لأكثر من 1000 إعلامي ومفكر وصانع محتوى من دول مجلس التعاون، تحت شعار بناء سردية خليجية موحدة تعكس تطلعات المنطقة وتبرز ثوابتها. إلا أن مجريات الحدث، بحسب مراقبين، كشفت عن توظيف بعض المشاركين، وفي مقدمتهم الخميس، لتوجيه انتقادات غير مباشرة للقيادة السعودية، في خطوة وُصفت بأنها تعكس توتراً سياسياً متصاعداً.
ويُشار إلى أن الخميس، يرتبط حالياً بأنشطة إعلامية خارجية يُقال إنها مدعومة من جهات دولية، وتركز على تحسين صورة أبوظبي ومهاجمة خصومها، مقابل امتيازات مالية.
وخلال إحدى الجلسات التي حملت عنوان “هل لدينا خطاب خليجي موحد؟”، وجه الخميس انتقادات ضمنية للسياسات السعودية دون أن يسميها صراحة.
كما نشر لاحقاً مقطع فيديو بعنوان “ما بعد الحرب: جردة حساب – الحلقة الأولى: الكبير غفى”، طرح فيه تساؤلات حول ما وصفه بصمت الرياض، معتبراً أن السعودية لم تتخذ موقفاً قيادياً متوقعاً تجاه التوترات مع إيران.
في المقابل، قاطعت السعودية هذه الفعالية، رغم تأكيد المنظمين مشاركة عدد كبير من الشخصيات الخليجية لمناقشة توحيد الخطاب الإعلامي والسياسي.
ولفتت تقارير إلى أن الدعوات الموجهة للمشاركين تضمنت شروطاً تتعلق بتوافق آرائهم مع توجهات أبوظبي.
وأثارت الفعالية ردود فعل غاضبة في الأوساط الإعلامية السعودية، خصوصاً بسبب تقديم الخميس كممثل للمملكة رغم كونه معارضاً لسياساتها.
واعتبر ناشطون وإعلاميون أن طبيعة الخطاب المطروح خلال المؤتمر، إلى جانب إبراز شخصية مثيرة للجدل، يحمل رسائل استفزازية موجهة للرياض.
وقال صاحب حساب يدعى بدر: "استضافة المُعارض السعودي عبدالعزيز الخميس في هذا المؤتمر خطوة تصعيدية خطيرة ضد السعودية، وأكاد أجزم أن هذا المؤتمر بكبره عُمل لاستفزاز السعوديين بهذه الاستضافة"
وأضاف "الإمارات تلعب بالنار، وتجاوزاتها تجاه السعودية غدا حجمها كالجبال، وأني لأخشى أن تطبق عليهم مقولة موحد السعودية الملك عبدالعزيز: “وإني أصبر، وأطيل الصبر، وأدفع بالحسنى، وأتمادى بالصبر، حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربتُ ضربتي وكانت القاضية”.
الصحفي اليمني عبدالرقيب الهدياني قال إن "إصرار الإمارات.. على استضافة المعارض السعودي عبدالعزيز الخميس. وتلميعه بشكل غير طبيعي فيما يسمى بفعالية “مؤثري الخليج” التي ينظمها المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات في دبي، يؤكد أن أبوظبي.. لا تتعلم ولن تتوب من خطاياها وتسير في طريق لا يحمد عقباه".
يذكر أن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في السعودية كانت قد وجها تحذيراً للمؤثرين وصنّاع المحتوى من المشاركة في فعالية "مؤثري الخليج" المزمع عقدها في الإمارات، دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة.
وتداول مستخدمون على مواقع التواصل رسالة منسوبة للهيئة أكدت فيها ضرورة التنسيق المسبق قبل حضور أي مؤتمرات أو فعاليات خارج المملكة، عبر القنوات الرسمية، في خطوة فُهمت على أنها منع ضمني من المشاركة دون تصريح.