كشفت شهادات صادمة أن الهجمات التي شهدتها الإمارات خلال الضربات الإيرانية هذا العام غيّرت نظرة كثير من المقيمين البريطانيين إلى دبي، بعد أن تحولت من مدينة تُسوَّق باعتبارها واحة آمنة ومستقرة إلى مكان يعيش فيه السكان حالة من الخوف، وسط إجراءات أمنية مشددة شملت اعتقال بريطانيين بسبب تصوير آثار الهجمات، وفق شهادات نقلها برنامج "بانوراما" الذي تبثه هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).
وأوضح تقرير صحيفة "ذا صن" البريطانية أن أكثر من ربع مليون بريطاني استقروا في دبي خلال السنوات الماضية، مدفوعين بما توفره الإمارة من فرص اقتصادية ومستوى معيشة مرتفع، إلا أن اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعها من استهداف إيران لحلفاء واشنطن في المنطقة، وضع المدينة أمام اختبار غير مسبوق، بعد وصول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أجوائها.
ونقل التقرير شهادة البريطانية أليشا تايلر، التي تقيم في دبي منذ ست سنوات وتعمل في إدارة وسائل التواصل الاجتماعي، إذ قالت إنها أدركت حجم التطورات عندما استيقظت على رسائل تسألها عما يحدث، قبل أن تسمع دوي الانفجارات لأول مرة، مشيرة إلى أنها لجأت إلى مواقع التواصل الاجتماعي لمعرفة حقيقة ما يجري.
وأضافت أن الخوف سيطر عليها مع اتساع نطاق الضربات، فبادرت إلى تجهيز حقيبة طوارئ وضعت فيها جوازات السفر والمياه، بينما قامت هي وزملاؤها في السكن بتعبئة السيارة بالوقود استعداداً لاحتمال مغادرة البلاد، مؤكدة أن أكثر ما كان يشغلها في تلك اللحظات هو الخشية على حياتها.
وأشار التقرير إلى أن السلطات أرسلت تنبيهات طوارئ إلى الهواتف المحمولة دعت السكان إلى التوجه إلى الملاجئ، فيما تعرضت مواقع بارزة، من بينها محيط مطار دبي الدولي وبرج العرب، لأضرار خلال الهجمات، الأمر الذي هز الصورة التي رسختها الإمارة عن نفسها باعتبارها بعيدة عن اضطرابات المنطقة.
ونقل التقرير أيضاً رواية سابرينا، وهي بريطانية وأم لطفلين انتقلت من مقاطعة كينت إلى دبي لتأسيس مشروعها الخاص، إذ قالت إن عائلتها استيقظت على أصوات اعتراضات جوية عنيفة هزت النوافذ والأبواب، مضيفة أن طفليها لم يكونا يدركان ما يحدث، بينما كانت هي تتساءل عن سبب وجودها مع أسرتها في مدينة لم تتوقع أن تشهد مثل هذه الأحداث.
ووفق التقرير، دفعت الضربات آلاف البريطانيين إلى مغادرة الإمارات، إذ عاد نحو 30 ألفاً منهم إلى المملكة المتحدة خلال فترة التصعيد العسكري.
لماذا اعتُقل البريطانيون؟
وركز التقرير على الإجراءات الأمنية التي أعقبت بدء الهجمات، مشيراً إلى أن السلطات الإماراتية حذرت من تصوير مواقع الضربات أو نشر الصور ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت، معتبرة ذلك مخالفة للقانون.
ونقل عن المحامية رادها ستيرلينغ، مؤسسة منظمة "محتجزون في دبي"، قولها إن السلطات كانت تطلب من أشخاص في الشوارع إبراز هواتفهم المحمولة، وإن العثور على صور للهجمات، حتى وإن لم تُنشر على الإنترنت، كان يؤدي إلى توقيف أصحابها.
وأضافت أن منظمتها قدّرت اعتقال عشرات المواطنين البريطانيين، مشيرة إلى أن بعضهم أُجبروا على توقيع اعترافات تتعلق بمزاعم انتهاك قوانين الجرائم الإلكترونية.
ورأت ستيرلينغ أن المبرر الرسمي تمثل في منع كشف مواقع حساسة قد يستفيد منها خصوم الإمارات، لكنها اعتبرت أن الهدف كان أيضاً الحفاظ على صورة الدولة باعتبارها وجهة آمنة ومستقرة، بحسب تعبيرها.
في المقابل، أوضح التقرير أن وزارة الخارجية الإماراتية رفضت هذه الرواية، مؤكدة في بيان لبرنامج "بانوراما" أن نشر المعلومات المضللة أثناء الأزمات قد يسبب عواقب خطيرة، وربما يؤدي إلى خسائر في الأرواح، مشيرة إلى أن عدد البريطانيين الذين أوقفوا بلغ 12 شخصاً فقط، وأن الأرقام الأخرى المتداولة غير دقيقة.
كما أشار التقرير إلى أن منصات التواصل الاجتماعي شهدت، بالتزامن مع هذه الإجراءات، انتشار منشورات تشيد بالإجراءات الأمنية وبقدرة السلطات الإماراتية على حماية السكان، وهو ما اعتبره التقرير جزءاً من جهود مواجهة المحتوى السلبي المتداول بشأن الحرب.
هل تعافت دبي؟
ولفت التقرير إلى أن الضربات العسكرية استمرت 39 يوماً، وشهدت إطلاق آلاف الطائرات المسيّرة وعشرات الصواريخ المجنحة ومئات الصواريخ الباليستية، ما ترك آثاراً اقتصادية واضحة على دبي، ولا سيما في قطاعي السياحة والطيران.
وأشار إلى أنه رغم إعادة فتح المجال الجوي، فإن الطاقة الاستيعابية للرحلات الجوية من وإلى الإمارات انخفضت بأكثر من سبعة ملايين مقعد مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وسط تقديرات بأن تداعيات الحرب قد تكون بحجم تأثير الأزمة المالية العالمية أو جائحة كورونا على اقتصاد الإمارة.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن أليشا قررت في نهاية المطاف مغادرة دبي والعودة إلى مدينة بورنموث البريطانية، بعدما أدى التباطؤ الاقتصادي إلى تراجع أعمالها، مؤكدة أن البقاء في الإمارة لم يعد خياراً مجدياً من الناحية المالية في ظل الظروف التي أعقبت الحرب.