في تقرير ميداني سلطت فيه الضوء على المشهد المتصاعد في المنطقة، كشفت صحيفة "ذي إندبندنت" (The Independent) البريطانية عن التباين الصارخ في دولة الإمارات وإمارة دبي بشكل خاص بين دوي الانفجارات الناجمة عن الهجمات المتكررة بالطائرات المسيرة والصواريخ، وبين محاولات الترويج المستمرة لصورة "الملاذ الآمن" عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ورصدت الصحيفة كيف تحاول الإمارة الحفاظ على واجهتها السياحية وجاذبيتها الاقتصادية في مواجهة أسبوعين من الاستهداف المباشر وتداعيات الصراع الإقليمي المحتدم مع إيران.
وقالت: سقطت طائرات مسيرة بالقرب من مطار دبي ومينائها والمركز المالي، وأُلغيت رحلات جوية، بينما تحذر تنبيهات يومية السكان بضرورة الابتعاد عن النوافذ، ويجري اعتقال سياح للاشتباه في قيامهم بتصوير الصواريخ.
ولكن بعد مرور أسبوعين على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تحاول بعض زوايا وسائل التواصل الاجتماعي إقناعك بأن "الأعمال لا تزال تسير كالمعتاد" في الإمارة.
ومع اتساع رقعة الصراع عبر الشرق الأوسط وما وراءه، واجهت الدفاعات الجوية في دبي أكثر من 290 صاروخاً باليستياً، و15 صاروخ كروز، و1600 طائرة مسيرة، وفقاً لوزارة الدفاع.
وحتى العاشر من مارس، اعترض نظام الدفاع الإماراتي أكثر من 90% من كافة المقذوفات، ومع ذلك، تمكن بعضها من ضرب أهداف في دبي، في المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في البلاد.
ويوم الجمعة، شوهدت أعمدة من الدخان الأسود تتصاعد من مركز دبي المالي العالمي بعد أن تسبب حطام طائرة مسيرة جرى اعتراضها في إلحاق أضرار بأحد المباني.
وضربت طائرة مسيرة أخرى مبنى في محيط "خور دبي هاربور" في الساعات الأولى من صباح الخميس، مع الإبلاغ عن ضربة أخرى في منطقة "البدع" بالمدينة. وأكدت السلطات عدم وقوع إصابات في أي من الحادثين.
ومع ذلك، أُصيب أربعة أشخاص بعد سقوط طائرتين مسيرتين في محيط مطار دبي الدولي يوم الأربعاء؛ حيث تعرض مقيمان من غانا وآخر من بنغلاديش لإصابات طفيفة، بينما أصيب مواطن هندي بجروح متوسطة، وفقاً لما أفادت به سلطات المدينة.
لطالما سوقت دبي لنفسها كوجهة آمنة في منطقة مضطربة، لكن تأثير الحرب بدأ يظهر بالفعل على قطاع السياحة فيها.
وصرحت "ألاينس للسفر في الشرق الأوسط"، التي تشرف على الخدمات اللوجستية لنحو 20 ألف سائح سنوياً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لصحيفة "ديلي تلغراف" بأنها شهدت إلغاءً بنسبة 100% لجميع الحجوزات المستقبلية للمنطقة منذ بدء الصراع.
كما قامت مجموعة متزايدة من شركات الطيران، بما في ذلك "الخطوط الجوية البريطانية" و"خطوط إيجه الجوية" و"طيران كندا"، بإلغاء رحلاتها.
وبدأت عدة شركات كبرى في إجلاء موظفيها من المركز الدولي، بعد أن أعلنت القيادة العسكرية المشتركة لإيران أنها ستبدأ في استهداف المؤسسات المالية في جميع أنحاء المنطقة.
رواية مختلفة على شبكات التواصل الاجتماعي
وأبلغت شركة "بلومبرغ" هذا الأسبوع موظفيها المقيمين في الخليج، بما في ذلك المقر الإقليمي في دبي، بإمكانية الانتقال المؤقت والعمل من خارج المنطقة. كما وجه مصرف "سيتي غروب" الأمريكي، وبنك "ستاندرد تشارترد" البريطاني، ومجموعة "بورصة لندن للأوراق المالية" موظفيهم في دبي للعمل عن بُعد.
ووفقاً لباربرا ليف، السفيرة الأمريكية السابقة لدى الإمارات، فإن الدور الاقتصادي البارز لدبي في الخليج هو بالضبط السبب الذي جعلها هدفاً محدداً لإيران.
وقالت لصحيفة تلغراف إن "دبي هي الرمز العظيم للحاضر والمستقبل الاقتصادي البديل للمنطقة، البديل بالتأكيد لإيران. إنها الرمز البراق لكل ما هو مشرق وحديث وديناميكي في المنطقة؛ لذا فهي بالضبط المكان الذي يريدون ضربه وإلحاق أكبر ضرر به".
لكن أي شخص يبحث عن كلمة "دبي" على وسائل التواصل الاجتماعي سيرى رواية مختلفة تماماً.
تطرح مقاطع فيديو متعددة منشورة على "إنستغرام" أسئلة مثل: "أنت تعيش في دبي، ألست خائفاً؟" أو "هل تشعر بالأمان في دبي؟" قبل أن تنتقل لتشرح سبب عدم وجود ما يدعو للقلق على الإطلاق.
وتنتقل بعض المقاطع إلى مونتاج لحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ترافقه كلمات: "أنا أعرف من يحمينا".
ويبدو هذا التناقض بين الحياة المعروضة على الإنترنت ولقطات حوادث المسيرات المتعددة صارخاً بشكل متزايد مع استمرار الصراع الإقليمي، بحسب الصحيفة البريطانية
استخدام المؤثرين
وفي اليوم نفسه الذي أصيب فيه أربعة أشخاص جراء المسيرات، شاركت إحدى "المؤثرات" التي يتابعها 40 ألف شخص على "تيك توك" مقطع فيديو لنفسها وهي تتجول في "دبي هيلز مول" وتتحدث عن مشروب "الماتشا بالفانيليا" الذي اشترته للتو.
وقالت، معترفة بأن البعض قد يكون متشككاً: "أعيش في دبي منذ ثلاث سنوات ونصف، والأمر يشبه تقريباً الدخول في علاقة جديدة". وأضافت: "تعرفون عندما تواعدون رجلاً جديداً، لا تكونوا متأكدين منه تماماً. تحاولون معرفة ما إذا كان بإمكانكم الوثوق به، ثم بمرور الوقت، ومع تطور العلاقة، تتعلمون ببطء قائلين: لا، هذا هو الرجل الذي يمكنني الاعتماد عليه.. أعلم أنه سيحمي ظهري دائماً".
إن رسالة "الحفاظ على سلامة المواطنين" هي عبارة تتكرر بشكل مستمر في مثل هذه المنشورات، وغالباً ما تستخدم صياغة متشابهة.
ويجب على المؤثرين في دبي العمل بموجب رخصة تجارية وتصريح "مؤثر إعلامي إلكتروني" من مجلس الإمارات للإعلام. وصورت السلطات التشريعات الجديدة على أنها وسيلة لحماية الجمهور من "المحتوى المضلل" وضمان المصالح الوطنية لدولة الإمارات، وفقاً لوسائل إعلام خليجية.
وأصدر مكتب دبي الإعلامي تحذيراً في اليوم الأول من الضربات الأمريكية، تضمن حملة قمع لما أسماه فيديوهات وصور "قديمة" و"مضللة" لحوادث حريق سابقة في المدينة.
وجاء في البيان: "نحث الجمهور ووسائل الإعلام على الاعتماد حصرياً على المصادر الرسمية للحصول على معلومات دقيقة والامتناع عن مشاركة مواد غير مؤكدة. سيتم اتخاذ إجراءات قانونية ضد أولئك الذين ينشرون أو يعيدون نشر مثل هذا المحتوى في انتهاك لقانون دولة الإمارات".
الاصطدام بقانون الجرائم الالكترونية سيئ السمعة
وبعد أسبوعين، وُجهت اتهامات لأكثر من 100 شخص بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية في الإمارات، بما في ذلك سائح بريطاني اعتُقل بزعم تسجيل لقطات لصاروخ فوق دبي.
وأفادت رادها ستيرلينغ، الناشطة في مجال حقوق الإنسان لدى منظمة "محتجزون في دبي" (Detained in Dubai)، بأن الرجل قال إنه حذف الفيديو فوراً عندما طُلب منه ذلك ولم يقصد أي ضرر، لكنه لا يزال من بين الذين يواجهون اتهامات.
وقالت السيدة ستيرلينغ إن تحذير الحكومة من أن الناس قد يواجهون السجن بسبب نشر فيديوهات أو صور أو حتى مشاركة مقال إخباري خاطئ عن الهجمات كان تذكيراً بأن الإمارات ليست المجتمع الحر الذي يعتقد بعض الزوار أنها تمثله.
وأضافت: "في لحظة واحدة، اصطدمت رواية دبي كوجهة عالمية آمنة ومتحررة بواقع قوانين الجرائم الإلكترونية الصارمة التي يمكن أن ترسل الناس إلى السجن لمجرد مشاركة معلومات تعتبرها السلطات سلبية أو مضللة".
جهود غير فعالة
ولكن يبدو أن الجهود المبذولة لطمأنة الجمهور لم تكن فعالة كما كان مأمولاً.
فقد شوهد مشاهير مثل ليندسي لوهان، التي لطالما أشادت بدبي لأمانها، في الولايات المتحدة بعد مغادرتها الإمارات عقب اندلاع الحرب.
وذهب مستثمر عقاري بريطاني إلى حد استئجار طائرة خاصة بقيمة 150 ألف جنيه إسترليني لمغادرة المنطقة مع عائلته، رغم أنه أصر على أن ذلك كان من أجل اجتماع وليس بسبب مخاوف أمنية.
ومع ذلك، صرح وكلاء عقارات في المملكة المتحدة لصحيفة "إندبندنت" هذا الأسبوع بأنهم شهدوا ارتفاعاً في الطلب على العقارات في لندن من قبل الراغبين في العودة من الخليج.
وقال مارك بولاك، المدير المشارك المؤسس لشركة "أستون تشيس" إنه "لم يكن الصراع، كما هو متوقع، سوى مواجهة مفاجئة مع الواقع للكثيرين الذين استدرجتهم دبي بشكل أساسي بسبب النظام المعفي من الضرائب والمناخ ونمط الحياة المتصور".