هناك شخصيات لا تختصرها المناصب التي شغلتها، ولا تختزلها السنوات التي أمضتها في العمل العام؛ لأنها تصبح، مع مرور الزمن، جزءاً من ذاكرة المكان وتحولاته. ومن بين هذه الشخصيات يبرز عبدالرحمن بن علي الجروان، المستشار والدبلوماسي الإماراتي الذي عاصر جانباً مهماً من مراحل تأسيس دولة الإمارات، وانتقل في مسيرته من مقاعد الدراسة في مدارس الشارقة، إلى جامعة بغداد، ثم إلى أروقة وزارة الخارجية في أبوظبي، وصولاً إلى العمل مستشاراً في ديوان حاكم الشارقة منذ عام 1984.
الجروان، الذي نال درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد عام 1972، ينتمي إلى جيل إماراتي عاش سنوات التحول الكبرى في المنطقة، وشهد قيام الاتحاد وانتقال الإمارات من مرحلة البدايات والتأسيس إلى بناء مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها العربي والدولي.
وفي مسيرته المهنية، عمل في وزارة الخارجية بأبوظبي، وتدرج في مناصبها حتى أصبح وكيلاً للوزارة، قبل أن يواصل مسيرته مستشاراً في ديوان حاكم الشارقة منذ عام 1984، حاملاً معه خبرة تراكمت في ميادين الدبلوماسية والعمل السياسي والمؤسسي.
ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمه كذلك بالعمل المؤسسي والثقافي، وشارك في مناسبات وفعاليات ذات طابع ثقافي وعربي، من بينها ما يتصل بجائزة الشارقة لأطروحات الدكتوراه.
الجروان في دائرة الاتهمام
في أواخر شهر أبريل 2026 تداولت عبر منصات التواصل الاجتماعي وبعض الحسابات، أخباراً تشير إلى اعتقال عبدالرحمن الجروان، على خلفية مواقفه السياسية وعلاقته بحاكم الشارقة، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
وذهبت بعض تلك التداولات إلى الربط بين ما قيل عن الاعتقال وبين مواقف تُنسب إلى الجروان إزاء عدد من الملفات الخارجية، ولا سيما ما يتعلق بسياسات أبوظبي مع السعودية والتطورات الإقليمية.
تغريدة من X.com
https://twitter.com/msgalghamdi/status/2049233202644996147
تغريدة من X.com
https://twitter.com/Hhd93817/status/2049444527749083454
يأتي تجدد تداول اسم الجروان في هذا السياق ليضيف فصلاً حديثاً إلى سيرة شخصية ارتبط اسمها لسنوات بالعمل الدبلوماسي والمؤسسي في الدولة، لكن الجروان لم يكتفِ بأن يكون شاهداً على تلك المراحل؛ بل اختار أن يوثق جانباً منها وأن يترك للأجيال المقبلة رواية شخصية تتقاطع فيها السيرة الذاتية مع التاريخ الوطني، وذلك في كتاب مذكراته "أيام وذكريات"، الصادر عن منشورات القاسمي.
سيرة رجل.. وذاكرة وطن
في "أيام وذكريات" لا يقدم عبدالرحمن الجروان سيرته باعتبارها حكاية شخصية منفصلة عن محيطها، بل يضع تجربته ضمن سياق أوسع، هو سياق جيل إماراتي نشأ في مرحلة عربية كانت مفعمة بالآمال والوعود، ثم وجد نفسه أمام واحدة من أهم لحظات التاريخ الحديث للمنطقة: قيام دولة الإمارات العربية المتحدة.
ومن خلال محطات حياته، يستعيد الجروان تفاصيل النشأة والتعليم، بدءاً من سنوات الدراسة في الشارقة والرمس برأس الخيمة، وصولاً إلى بغداد التي احتضنت تجربته الجامعية وصقلت اهتمامه بالعلوم السياسية، قبل أن يعود إلى الإمارات ليسهم في بناء مؤسسات الدولة وكوادرها.
وتكتسب هذه الرحلة أهميتها من كونها تكشف، في الوقت ذاته، عن ملامح مرحلة كاملة؛ مرحلة كان فيها بناء الإنسان الإماراتي وبناء مؤسسات الدولة يسيران جنباً إلى جنب، وكانت الكوادر الوطنية تتشكل وسط ظروف وتحديات مختلفة عن واقع الدولة الإماراتية اليوم.
ويقول الجروان في تقديمه لتجربته إن سيرته لم تقتصر على البعد الشخصي، مشيراً إلى أنه عاش شبابه في مرحلة بالغة الحساسية، ثم مر بمراحل عديدة التقى خلالها شخصيات مهمة تركت بصماتها على مستوى الوطن والمنطقة والعالم، وهي انطباعات وتصوّرات أراد أن يضمنها في سيرته لتكون مفيدة للقارئ.
ومن هنا تتحول "أيام وذكريات" إلى أكثر من مجرد مذكرات؛ فهي مزيج من السرد القصصي والتدوين التاريخي، تتداخل فيه التجربة الشخصية مع محطات من تاريخ الإمارات والمنطقة، وتستحضر وجوهاً وشخصيات ومواقف عايشها المؤلف عن قرب.
من الجامعة إلى وزارة الخارجية
كان حصول الجروان على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة بغداد عام 1972 محطة مفصلية في تكوينه الفكري والمهني. فقد جاء تعليمه الجامعي في فترة عربية وإقليمية شديدة الحراك، قبل أن يعود إلى الإمارات، التي كانت قد دخلت مرحلة جديدة مع قيام الاتحاد في الثاني من ديسمبر 1971.
وفي وزارة الخارجية بأبوظبي، بدأ مساراً مهنياً تدرج خلاله في المسؤوليات والمناصب حتى وصل إلى منصب وكيل وزارة الخارجية، ليكون بذلك جزءاً من مرحلة مبكرة في بناء الجهاز الدبلوماسي الإماراتي وتطوير كوادره ومؤسساته.
وإذا كان حضور الدولة على الساحة الدولية يبدو اليوم أمراً راسخاً وممتداً، فإن تجربة رجال الجيل الأول من الدبلوماسيين تكتسب أهميتها عند استحضار الظروف التي رافقت بناء مؤسسات الدولة في سنواتها الأولى.
وكان الجروان واحداً من أبناء ذلك الجيل الذي انتقل من مرحلة التكوين إلى مرحلة المسؤولية، وأسهم في العمل الدبلوماسي والسياسي والمؤسسي خلال مراحل مختلفة من تاريخ الإمارات.
حين قال الشيخ زايد للشبان: "لازم تشوفوا بلادكم"
من أكثر فصول "أيام وذكريات" دلالة على روح مرحلة التأسيس، تلك الحكاية التي يستعيد فيها الجروان أول لقاء جمعه، قبل قيام الاتحاد، بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
كانت الحكاية في الأصل مرتبطة بالرياضة والشباب. ففي عام 1966، وبعد أن تولى الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي، قام بجولة في الإمارات والتقى حكامها، في خطوة عكست تطلعه إلى قيام كيان اتحادي يجمع الإمارات.
وفي تلك الفترة كان عبدالرحمن الجروان شاباً من الشارقة، وواحداً من الوجوه الناشطة في نادٍ رياضي أطلق عليه في بداياته اسم النادي الشرقي، قبل أن تتطور مسيرته لاحقاً، في إطار الاندماجات التي شهدتها الأندية، إلى نادي الشعب ثم نادي الشارقة.
ومع حاجة النادي إلى الدعم، قرر عدد من مؤسسيه والناشطين فيه التوجه إلى أبوظبي لطلب المساندة من الشيخ زايد. كانت الرحلة في ذلك الزمن مختلفة تماماً عن رحلات اليوم؛ فالطريق لم يكن معبداً، والسيارة التي استقلها الشبان من الشارقة لم تكن ذات دفع رباعي.
وصلوا إلى أبوظبي، لكنهم علموا أن الشيخ زايد غادر إلى العين، فقرروا مواصلة الطريق رغم مشقته. وبعد رحلة شاقة وصلوا إلى مجلسه في منطقة المقام بالعين.
كان اللقاء، كما يرويه الجروان، مختلفاً عن الصورة التي قد يتخيلها شباب يقفون للمرة الأولى أمام حاكم دولة في طور التأسيس. فقد رحب بهم الشيخ زايد بروح أبوية، واستجاب لطلبهم، ثم أوعز إلى سكرتيره آنذاك، المرحوم بطي بن بشر، بتوفير سيارة لهم كي يتجولوا في مدينة العين.
وفي تلك اللحظة قال الشيخ زايد للشبان القادمين من الشارقة عبارة تختصر الكثير من رؤيته للإنسان والوطن: "لازم تشوفوا بلادكم".
لم تكن العبارة، في سياقها، مجرد دعوة إلى جولة في مدينة العين؛ فقد بقيت في ذاكرة الجروان بوصفها واحدة من الصور المبكرة التي تختزل علاقة القيادة بالشباب والوطن، وتكشف جانباً من شخصية الشيخ زايد التي جمعت بين الحزم والأبوية والقرب من الناس.
شهادات على زمن لم تكن فيه الطرق مفروشة بالورود
أهمية تجربة الجروان لا تكمن فقط في المناصب التي وصل إليها، وإنما في كونه أحد أبناء جيل عايش الإمارات قبل الاتحاد وبعده، وشاهد الانتقال من مجتمع البدايات إلى دولة حديثة ذات مؤسسات راسخة.
ولهذا تبدو مذكراته أقرب إلى شهادة شخصية على زمن كان فيه بناء الكوادر الوطنية جزءاً أساسياً من مشروع بناء الدولة. وهو يستعيد صعوبات تلك المرحلة، والظروف التي عاشها أبناء جيله، وكيف أسهمت الحياة في صقل شخصياتهم وغرس قيم قوة الإرادة والتصميم والعطاء والتفاني في خدمة الوطن.
ويخصص الجروان جانباً من روايته للحديث عن مرحلة بناء كوادر وزارة الخارجية، وهي مرحلة تعكس طبيعة التحدي الذي واجهته الدولة الناشئة في بناء جهاز دبلوماسي قادر على تمثيلها والتعبير عن مصالحها في محيط عربي وإقليمي ودولي متغير.
ومن هذه الزاوية، تصبح سيرة الجروان أيضاً سيرة لجيل من الإماراتيين الذين وجدوا أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية: الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تثبيت الدولة ومؤسساتها.
أيام وذكريات.. السيرة التي تروي أكثر من صاحبها
يقع كتاب "أيام وذكريات" في 323 صفحة موزعة على ثمانية فصول، ويقدم مادته عبر مزيج من السرد الشخصي والتدوين التاريخي وأدب الرحلات والحالات الإنسانية.
يبدأ الكتاب من سنوات الدراسة الأولى، ثم ينتقل إلى تجربة بغداد عام 1972، وما تركته تلك المرحلة من أثر في تكوين الجروان السياسي والفكري، قبل أن يتابع محطات العمل والحياة العامة، واللقاءات مع شخصيات وقادة كان لهم حضور بارز في تاريخ الإمارات والمنطقة.
وفي مقدمة هذه الشخصيات يأتي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي يستعيد الجروان جوانب من حكمته ورؤيته في مرحلة ما قبل الاتحاد، ثم يتوقف عند محطات من مسيرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مستحضراً جانباً من شخصية الحاكم المثقف والقريب من مواطنيه والحريص على رفاههم وسعادتهم.
ولا يتعامل الكتاب مع التاريخ بوصفه مجموعة من التواريخ والأحداث الجافة، بل يقدمه من خلال الذاكرة الإنسانية؛ الطريق الصعب بين الشارقة والعين، اللقاءات الأولى، تفاصيل الدراسة، مشاهد العمل، والشخصيات التي تركت أثراً في حياة المؤلف.
وهنا تحديداً تكمن قيمة المذكرات في قدرتها على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى نوافذ تطل منها الأجيال الجديدة على زمن التأسيس.
رجل دولة يكتب ذاكرة جيل
عبدالرحمن بن علي الجروان ليس مجرد دبلوماسي إماراتي تقلد مناصب رفيعة في وزارة الخارجية، ولا مستشاراً أمضى عقوداً في ديوان حاكم الشارقة؛ إنه أيضاً أحد أبناء جيل حمل ذاكرة مرحلة كاملة من عمر الإمارات.
فمن مدارس الشارقة والرمس، إلى جامعة بغداد، ومن العمل في وزارة الخارجية إلى منصب وكيل الوزارة، ثم إلى العمل مستشاراً في ديوان حاكم الشارقة، تمتد رحلة شخصية تزامنت مع التحولات الكبرى التي شهدتها الدولة والمنطقة.
ولذلك فإن قراءة "أيام وذكريات" تعني، في جانب منها، التعرف إلى صاحب السيرة، وفي جانب آخر الاقتراب من زمن الإمارات الأولى، حين كانت الدولة تبني مؤسساتها وكوادرها، وحين كان الطريق إلى المستقبل محفوفاً بالتحديات.
إنها سيرة رجل عايش البدايات، ثم شارك في صناعة بعض فصول المرحلة التالية، قبل أن يعود إلى ذاكرته ليكتبها للأجيال. وفي ذلك تكمن أهمية تجربة عبدالرحمن الجروان: "أن يحكي الإنسان سيرته، وفي الوقت نفسه يترك للتاريخ ذاكرة جيل كامل".