قالت صحيفة "نيويورك تايمز"، الأمريكية، إن التوتر بين الإمارات وباكستان تصاعد على خلفية الحرب الأخيرة مع إيران، في وقت تسعى فيه إسلام آباد للعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وهو ما أثار استياء أبوظبي التي كانت من أكثر الدول الخليجية تعرضاً للهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأشارت الصحيفة إلى أن أبوظبي بدأت خلال الأسابيع الماضية حملة ترحيل واسعة طالت عمالاً باكستانيين، معظمهم من الطائفة الشيعية، في خطوة تهدد أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة لباكستان التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على تحويلات المغتربين العاملين في الخليج.

وأجرت الصحيفة مقابلات مع أكثر من عشرين باكستانياً شيعياً كانوا يعملون في شركات ومؤسسات داخل الإمارات، وأكدوا أنهم تعرضوا للاعتقال المفاجئ ثم الاحتجاز والترحيل دون توضيحات رسمية. كما تحدث أصحاب أعمال وشركات في الإمارات عن ترحيل موظفين باكستانيين خلال الأسابيع الأخيرة، إضافة إلى توقف إصدار أو تجديد بعض التأشيرات.

توتر سياسي

ورغم أن الحكومتين تؤكدان استمرار العلاقات الجيدة بينهما، فإن مؤشرات الخلاف بدأت تتكشف بصورة أوضح، خصوصاً بعد استرداد الإمارات قرضاً بقيمة 3.5 مليارات دولار كانت قد منحته لباكستان، وهو مبلغ يمثل جزءاً مهماً من احتياطياتها الأجنبية، قبل أن تتدخل السعودية بإعلان دعم مالي جديد لإسلام آباد.

وقال حسين حقاني، الدبلوماسي الباكستاني السابق والزميل في "أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية"، إن "الإمارات صُدمت لأن باكستان لم تدعمها ضد إيران، وباكستان صُدمت لأن الإمارات صُدمت"، في إشارة إلى حجم التباين بين الطرفين بشأن الحرب.

من جهته، اعتبر المحلل الإماراتي اللبناني المقرب من أبوظبي نديم قطيش أن باكستان تحركت في مبادرتها المتعلقة بالوساطة "دون تنسيق كافٍ مع الإمارات"، بينما قال وزير المالية الباكستاني السابق مفتاح إسماعيل إن بلاده كانت تحاول الحفاظ على توازن معقد بين علاقتها بالإمارات ومساعيها لتجنب الانخراط المباشر في الحرب.

وتشير الصحيفة إلى أن العمال الباكستانيين وجدوا أنفسهم في قلب هذا الخلاف السياسي، خصوصاً مع وجود أكثر من مليوني باكستاني في الإمارات أرسلوا تحويلات تجاوزت ثمانية مليارات دولار خلال العام الماضي.

شهادات المرحلين

نقلت "نيويورك تايمز" شهادات لعمال قالوا إنهم احتُجزوا لأيام من قبل جهاز التحقيقات الجنائية الإماراتي دون توجيه تهم واضحة، قبل أن يحصلوا على وثائق سفر اضطرارية من القنصلية الباكستانية تمهيداً لترحيلهم.

وقال علي حمزة، وهو موظف أمن في شركة لوجستية إماراتية، إن ضابطاً بلباس مدني اقتاده من مقر عمله إلى مركز احتجاز "العوير"، قبل ترحيله لاحقاً إلى باكستان. كما تحدث آخرون عن مصادرة ممتلكاتهم أو مغادرتهم البلاد دون القدرة على تصفية أعمالهم أو استلام مستحقاتهم.

وأوضح حيدر علي بنغش، وهو سائق تاكسي من شمال غربي باكستان، أن السلطات لم تقدم أي مبرر لاحتجازه وترحيله، مضيفاً: "لم يعطونا أي سبب، لكننا فهمنا الأمر؛ جريمتنا الوحيدة هي أننا شيعة".

كما قالت الصحيفة إنها اطلعت على وثائق صادرة عن القنصلية الباكستانية في دبي كُتب فيها "مسجون/هارب" كسبب للترحيل، رغم تأكيد المرحلين أنهم لم يواجهوا تهماً جنائية.

وبحسب رجال دين وقادة محليين في باكستان، فإن آلاف العائلات تضررت من عمليات الترحيل الأخيرة، خاصة في المناطق ذات الأغلبية الشيعية. وقال رجل الدين محمد أمين شهيدي إن منظمته وثقت ترحيل نحو خمسة آلاف عائلة، مضيفاً أن هناك "تصوراً في الخليج بأن كل شيعي يدعم إيران".

وترى الصحيفة أن هذه التطورات تعكس تصاعد الشكوك الأمنية والخطاب الطائفي في بعض دول الخليج منذ اندلاع الحرب مع إيران، إذ بدأت السلطات بالتدقيق في ولاءات بعض المقيمين، خاصة المنتمين للطائفة الشيعية.

ومع ذلك، تشير "نيويورك تايمز" إلى أن عدم تعرض جاليات شيعية أخرى، مثل العراقيين واللبنانيين، لحملات مشابهة، يوحي بأن التوتر السياسي بين الإمارات وباكستان يلعب دوراً رئيسياً في هذه الإجراءات، أكثر من كونه مرتبطاً بالبعد الطائفي وحده.

وفي السياق ذاته، تحدثت الصحيفة عن مخاوف باكستانية من التورط في التنافس المتزايد بين الإمارات والسعودية، خاصة مع اختلاف مواقف الطرفين في عدد من الملفات الإقليمية، إلى جانب استمرار العلاقات الوثيقة بين إسلام آباد والرياض.

وقال مايكل كوجلمان، الباحث في "أتلانتيك كاونسل"، إن الإمارات "غير راضية عن استمرار علاقات باكستان الدافئة مع السعوديين، كما أنها غير راضية عن الخطوات التي اتخذتها باكستان لتقريب نفسها من إيران"، وهو ما يعكس، بحسب الصحيفة، عمق التحولات التي تشهدها العلاقة بين أبوظبي وإسلام آباد.