كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن الإمارات جاءت في المرتبة الثانية بين أكثر الدول وروداً في العقوبات الأميركية المرتبطة بإيران، بعد الصين، وفق تحليل أجرته الصحيفة لبيانات العقوبات الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركية، رغم تبني أبوظبي لسياسة متشددة تقليدياً تجاه طهران.
وقالت الصحيفة، في تقرير تحليلي نشرته الاثنين، إن تحليلها أظهر أن الإمارات حاضرة بصورة لافتة في شبكات مرتبطة بأشخاص وكيانات خاضعة للعقوبات الأميركية على خلفية صلاتهم بإيران.
وبحسب تحليل "فايننشال تايمز"، فمن بين 1,573 كياناً وفرداً خاضعين للعقوبات ولديهم صلات بدولة خارج إيران، فإن 22 في المائة لديهم جنسية أو عناوين أو تسجيلات لشركات في الإمارات.
وتضع هذه البيانات الإمارات في موقع متقدم ضمن الدول التي تظهر في ملفات العقوبات المرتبطة بإيران، في وقت تؤكد فيه أبوظبي رسمياً شراكتها الأمنية والاستراتيجية الوثيقة مع الولايات المتحدة، وتتبنى في الوقت نفسه علاقات دبلوماسية واقتصادية مع طهران.
وربطت الصحيفة هذه المعطيات بالدور الذي لعبته الإمارات على مدى سنوات كمركز تجاري ومالي إقليمي، مشيرة إلى أن البلاد أصبحت محطة مهمة لشبكات مالية وتجارية مرتبطة بإيران، وهو ما جعلها تظهر بصورة متكررة في إجراءات العقوبات الأميركية.
ونقلت "فايننشال تايمز" عن السيناتور الأميركي الديمقراطي كريس فان هولن قوله إن الإمارات تتمتع بنفوذ كبير في واشنطن، معتبراً أن هذا النفوذ ساعدها على تجنب تبعات لأفعال قال إنها كانت ستواجه بسببها دول أخرى ضغوطاً أكبر.
وتشير الصحيفة إلى أن ملف العلاقات مع إيران يمثل أحد الجوانب المتناقضة في العلاقة الإماراتية-الأميركية؛ فبينما تحولت أبوظبي خلال العقدين الماضيين إلى شريك أمني واستراتيجي رئيسي لواشنطن، ظلت الإمارات في الوقت ذاته مركزاً مهماً للتجارة والأعمال مع إيران.
من مركز قلق أمني إلى شريك استراتيجي
ويضع التقرير تحليل العقوبات ضمن سياق أوسع للتحول الكبير في صورة الإمارات داخل الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين.
وتقول فايننشال تايمز إن الإمارات انتقلت من كونها موضع قلق أمني في واشنطن عقب هجمات 11 سبتمبر، إلى واحدة من أبرز الشركاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وترى الصحيفة أن هذا التحول لم يكن تلقائياً، بل جاء نتيجة حملة واسعة قادتها أبوظبي لإعادة تشكيل صورتها في الولايات المتحدة، شملت الإنفاق على جماعات الضغط ومراكز الأبحاث والعلاقات مع النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية.
ووفق التقرير، أنفقت الإمارات أكثر من 270 مليون دولار في واشنطن خلال السنوات العشر الماضية على أنشطة الضغط والعلاقات العامة، بحسب بيانات منظمة OpenSecrets.
كما استفادت أبوظبي من استثمارات ضخمة في الاقتصاد الأميركي، ولا سيما قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، عبر صناديق وشركات إماراتية، ما عزز أهميتها لدى دوائر صنع القرار الأميركي.
وتشير الصحيفة إلى أن تطور العلاقات بلغ مستوى متقدماً بعد توقيع الإمارات اتفاقات التطبيع مع "إسرائيل" عام 2020، ثم توسع التعاون في مجالات التكنولوجيا والدفاع والاستثمار.
العلاقات مع إيران في مواجهة النفوذ داخل واشنطن
وترى فايننشال تايمز أن العلاقات الإماراتية مع إيران ظلت إحدى القضايا التي تثير انتقادات داخل الولايات المتحدة، خصوصاً بسبب استخدام الإمارات كمركز لشبكات مالية وتجارية مرتبطة بإيران.
وتشير الصحيفة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصف الإمارات هذا العام بأنها كانت بمثابة مصرف لإيران، في إشارة إلى الدور الذي لعبته الدولة الخليجية في تسهيل بعض الأنشطة المالية المرتبطة بطهران قبل الحرب الأخيرة.
لكن التقرير يلفت إلى أن هذه الانتقادات لم تؤدِ إلى تحول كبير في السياسة الأميركية تجاه أبوظبي، في ظل استمرار اعتبار الإمارات شريكاً استراتيجياً مهماً للولايات المتحدة.
كما تناولت الصحيفة انتقادات أميركية أخرى لدور الإمارات في ملفات إقليمية، بينها السودان وعلاقاتها العسكرية مع الصين، مشيرة إلى أن المشرعين الأميركيين ظلوا في الغالب يتعاملون مع الإمارات باعتبارها حليفاً مهماً في المنطقة.
الحرب مع إيران تعيد اختبار العلاقة
وبحسب فايننشال تايمز، فإن الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران اختبرت حدود النفوذ الإماراتي في واشنطن، بعدما أصبحت الإمارات هدفاً رئيسياً للرد الإيراني.
وترى الصحيفة أن أبوظبي، بدلاً من التراجع عن شراكتها مع واشنطن، اتجهت إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" خلال الحرب.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول إماراتي أن التعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة خلال الحرب عززا مكانة الإمارات وأظهرا قدرتها على التعامل مع التطورات الأمنية والعسكرية.
وفي المقابل، يحذر بعض الخبراء الذين استطلعت الصحيفة آراءهم من أن اعتماد أبوظبي المتزايد على علاقاتها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، على حساب أطر التعاون الإقليمية، قد يحد من هامش استقلالها الاستراتيجي.
وتخلص فايننشال تايمز إلى أن النفوذ الإماراتي المتزايد في واشنطن منح أبوظبي قدرة كبيرة على حماية مصالحها، إلا أن هذا النفوذ لا يعني قدرتها على التحكم في القرارات الأميركية الكبرى، كما أظهرت الحرب الأخيرة مع إيران.