أثارت اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في جدة ردود فعل إماراتية متباينة، تراوحت بين التشكيك في جدوى التحالف الجديد وانتقاده، وصولًا إلى تبني مواقف تتقاطع مع انتقادات إيرانية وحوثية وإسرائيلية للاتفاقية.

وبرز من بين المواقف الإماراتية الأكاديمي عبدالخالق عبدالله، الذي وصف الاتفاقية بأنها خطوة تستحق التهنئة، لكنه شكك في أولوياتها وجدوى توسيع التعاون العسكري خارج الإطار الخليجي.

وقال عبدالله إن تعزيز التعاون العسكري والسياسي بين دول الخليج وتوحيد الموقف الخليجي "أهم بكثير" من الاستثمار في تعاون إقليمي يضم دولًا، بحسب تعبيره، لا تحظى بالقدر الكافي من المصداقية والقدرة على مواجهة ما وصفه بالخطر الإيراني والإسرائيلي.

كما تساءل عن هوية الخصم الذي يستهدفه التحالف الجديد، معتبرًا أن تحديد "العدو المشترك" يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح أي تحالف.

وأثارت مواقف عبدالله نقاشًا على منصات التواصل الاجتماعي، إذ رد عليه الكاتب الصحفي داوود الشريان، مؤكدًا أن دول الخليج تقع "في صلب هذا الحلف"، وأن السعودية التي تحملت مسؤولية حماية أمن الخليج لعقود تعمل اليوم على توسيع دائرة الأمن حوله.

وقال الشريان إن الاتفاقية تمثل "قوة للسلام والردع"، وترفع كلفة الاعتداء على الدول الموقعة إلى مستوى يجعل مجرد التفكير فيه مغامرة، معتبرًا أن قوة التحالف تكمن في الحرب التي يستطيع منعها قبل الحرب التي يستطيع خوضها.

 

ورد عبدالله بأن التعاون الخليجي "ليس في أفضل حالاته"، معتبرًا أنه يعاني من إهمال دوله الكبرى التي تبحث عن الأمن خارج البيت الخليجي، وأن الاندفاع نحو تأسيس محاور سياسية وتحالفات عسكرية إقليمية يأتي، من وجهة نظره، على حساب التعاون الخليجي ويضعفه.

في المقابل، رفض الكاتب السعودي عشق بن محمد بن سعيدان هذا الطرح، معتبرًا أن بناء التحالفات الإقليمية لا يتعارض مع وحدة البيت الخليجي، بل يمكن أن يكملها ويعزز الأمن القومي المشترك.

وقال إن تحديد الأعداء والأخطار يخضع لتقدير كل دولة وفق مصالحها الاستراتيجية وتقييمها للتهديدات، مضيفًا أن تنويع الشراكات الإقليمية يعزز الاستقرار ولا يلغي أولوية التعاون الخليجي.

كما رد الدكتور فهد العرابي الحارثي على عبدالله، موضحًا أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك ليست "حلفًا" موجهًا ضد طرف بعينه، وأن فلسفتها تقوم على بناء قدرة مشتركة للردع والدفاع وحماية الأمن والاستقرار في مواجهة أي تهديد.

وأكد الحارثي أن تماسك البيت الخليجي وتعزيز قدراته العسكرية والسياسية والاقتصادية يظل أولوية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن اتفاقية مكة لا تتعارض مع هذه الأولوية ولا تأتي بديلًا عنها، وإنما تمثل دائرة إضافية من التعاون يمكن أن تعزز أمن الخليج والمنطقة.

وأشار إلى أن الاتفاقية، بحسب طبيعتها المعلنة، مفتوحة أمام الدول الراغبة في الانضمام إليها، خليجية كانت أم غير خليجية، متى التزمت بشروطها ومقتضياتها.

من جانبه، تساءل الأمير عبدالرحمن بن مساعد عن المشكلة في إبرام السعودية اتفاقية دفاعية مع تركيا وباكستان، مؤكدًا أن طبيعة الاتفاقية لا تتعارض مع العلاقات القائمة بين دول الخليج وكل من أنقرة وإسلام آباد، والتي تشمل اتفاقات مشتركة وتبادلًا تجاريًا واستثمارات وتعاونًا في مجالات مختلفة.

وخاطب عبدالله متسائلًا عن مدى تعارض الاتفاقية مع توحيد البيت الخليجي، قائلًا: أليس من حق أي دولة عمل اتفاقيات مع أي دولة أو دول وفق ما تراه يحقق مصالحها؟ أليس هذا شأنًا سياديًا لكل دولة؟.

وتأتي هذه النقاشات في وقت قدمت فيه الرياض الاتفاقية باعتبارها إطارًا لتعزيز التعاون الدفاعي والأمن الجماعي ورفع القدرات الدفاعية ومستوى الردع، مع التأكيد على أنها لا تستهدف أي طرف بعينه.

كما أكد مسؤولون سعوديون وأتراك أن الاتفاقية لا تشكل تهديدًا لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تمثل تصعيدًا في التوتر بين الدول، وإنما تستهدف تعزيز القدرات الدفاعية والردع لدى الأطراف الموقعة.

وبينما ركزت الرياض وأنقرة على الطابع الدفاعي للاتفاقية وأهدافها المرتبطة بالردع والأمن الجماعي، أثارت تصريحات عبدالله نقاشًا حول أولوية الإطار الخليجي في منظومة الأمن الإقليمي، ومدى تأثير توسيع التحالفات الدفاعية السعودية على هذا الإطار.

وتتقاطع بعض جوانب انتقادات عبدالله مع مواقف رافضة للاتفاقية صدرت من أطراف إقليمية، في مقدمتها إيران والحوثيون و"إسرائيل"، ما أضاف إلى الجدل السياسي والإعلامي المحيط بالاتفاقية الجديدة.

تخوفات وتعارضات إيرانية حوثية إسرائيلية

جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن، جاء موقفها أكثر مباشرة في رفض الاتفاقية، معتبرة أن أي ترتيبات دفاعية جديدة تضم السعودية لن تغير موقفها تجاه ما تصفه بـ"حقوق الشعب اليمني".

وقالت وزارة الخارجية التابعة للحوثيين إن "أي تكتل إقليمي أو عالمي" لن يتمكن من مصادرة ما وصفته بحقوق الشعب اليمني، مؤكدة المضي في انتزاعها.

وفي موقف أكثر حدة، قال رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين مهدي المشاط إن من يشارك السعودية، وفق تعبيره، "معتدٍ"، حتى لو جرى تقديم ذلك تحت عناوين سياسية أو دفاعية، مشيراً إلى أن ما وصفه بالقانون اليمني حدد آليات التعامل مع الدول التي تعتبرها الجماعة معادية.

أما إيران فقد انتقد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي الاتفاقية، معتبراً أنها لن توفر للسعودية الأمن.

وقال رضائي إن على السعوديين أن يدركوا أن اتفاقاً "ورقياً" مع تركيا وباكستان لن يجلب لهم الأمن، على حد تعبيره، مستشهداً بما وصفه بسنوات الاعتماد على الولايات المتحدة التي قال إنها لم تحقق الأمن للرياض.

ويعكس الموقف الإيراني حساسية طهران تجاه أي ترتيبات أمنية جديدة في الخليج والشرق الأوسط يمكن أن تمنح السعودية قدرات ردع إضافية أو تقلل من اعتمادها على الشراكات الأمنية التقليدية مع الولايات المتحدة.

وفي "إسرائيل"، اتخذت ردود الفعل طابعاً مختلفاً، إذ ركزت وسائل الإعلام العبرية، على تداعيات الاتفاقية على ميزان القوى في المنطقة، خصوصاً في ظل الجمع بين القوة الاقتصادية السعودية، والقدرات العسكرية التركية، والقدرات الاستراتيجية الباكستانية.

وتناولت القناة 12 الإسرائيلية الاتفاقية باعتبارها تحالفاً أمنياً قد يثير قلق "إسرائيل" ويؤثر في موازين القوى الإقليمية.

كما ركزت صحيفة "معاريف" على توقيت الاتفاقية، التي أُعلنت وسط الحرب الأمريكية الإيرانية والتوترات المتصاعدة في المنطقة، مشيرة إلى أن التحالف يجمع بين ثلاثة عناصر قوة رئيسية: الاقتصاد السعودي، والقدرات العسكرية التركية، والقدرات الاستراتيجية الباكستانية.

أما "يديعوت أحرونوت"، فركزت على كون الاتفاقية تجمع ثلاث دول ذات غالبية سنية ضمن إطار دفاعي مشترك، معتبرة أنها تعزز مفهوم الردع الجماعي.