اعتبرت خبيرة أسواق الطاقة والمخاطر الجيوسياسية آنا ميكولسكا أن قرار الإمارات الانسحاب من منظمة “أوبك” بعد نحو 60 عاماً من العضوية يشكّل “ضربة كبيرة” للسعودية، ويعكس تحولات أعمق داخل تكتل منتجي النفط، في وقت يشهد اضطرابات حادة في الأسواق العالمية.

وأوضحت ميكولسكا، وهي رئيسة قسم التحليلات في CGCN Group، أن القرار رغم مفاجأته، كان متوقعاً منذ فترة، إلا أن توقيته جاء مدروساً في ظل أزمة مضيق هرمز التي قيّدت تدفقات النفط، ما خفف من تأثيره الفوري على الأسواق.

وقالت إن “الاضطراب في مضيق هرمز خلق فرصة للتحرك، إذ إن الأسواق عملياً مشلولة، والنفط لا يتدفق بشكل طبيعي”، مشيرة إلى أن أي انسحاب في ظروف مختلفة كان سيؤدي إلى تأثيرات مباشرة وكبيرة على الأسعار.

وأضافت أن الإمارات تختلف عن بقية دول “أوبك”، إذ نجحت في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وأقرب إلى اقتصادات الدول الصناعية، بينما لا تزال دول أخرى تعتمد بشكل كبير على النفط.

وكشفت أن القيود الإنتاجية التي تفرضها “أوبك” كلّفت أبوظبي خسائر تقدّر بنحو 50 مليار دولار سنوياً، وفق دراسات حديثة، نتيجة الحد من قدرتها على زيادة الإنتاج والتصدير.

وأشارت ميكولسكا إلى أن أحد أبرز أسباب التوتر يتمثل في عدم ارتياح الإمارات للتنسيق بين السعودية وروسيا ضمن تحالف “أوبك+”، معتبرة أن إدخال موسكو إلى المعادلة شكّل عبئاً على علاقات أبوظبي مع الولايات المتحدة.

وأضافت أن الإمارات تسعى إلى “مرونة جيوسياسية أكبر”، وهو ما جعلها أقل تقبلاً للتحالفات النفطية التي تقودها الرياض.

حرب أسعار مع السعودية 

ورغم أن الأزمة الحالية تقلل من التأثير المباشر للقرار على الأسعار، أكدت الخبيرة أن تداعياته “ضخمة” على المدى الاستراتيجي، خاصة فيما يتعلق بقدرة “أوبك” على التحكم في السوق.

وأوضحت أن الإمارات تُعد ثاني أكبر دولة في “أوبك” من حيث الطاقة الإنتاجية الفائضة بعد السعودية، ما يجعل خروجها مؤثراً بشكل مباشر على قدرة المنظمة في إدارة المعروض النفطي.

ولم تستبعد ميكولسكا اندلاع حرب أسعار مستقبلية بين السعودية والإمارات، خاصة بعد إعادة فتح مضيق هرمز، حيث سيسعى المنتجون لتعويض خسائرهم عبر زيادة الإنتاج.

وقالت: “السعودية تحتاج إلى أسعار مرتفعة نسبياً لتغطية احتياجاتها المالية، بينما تمتلك الإمارات مرونة أكبر للعمل عند أسعار أقل، ما قد يدفعها إلى المنافسة بقوة”.

وأضافت أن أي انخفاض في الأسعار قد يصب في مصلحة الدول المستوردة للنفط، من خلال دعم اقتصاداتها وزيادة قدرتها على الاستيراد.

مكاسب لواشنطن وخسائر للرياض

ومن منظور السياسة الدولية، رأت ميكولسكا أن القرار يعزز موقع الإمارات كحليف للولايات المتحدة، مشيرة إلى أن واشنطن “تكسب شريكاً يمكنه موازنة تحركات أوبك”.

وأكدت أن “الخاسر المباشر هو السعودية”، باعتبارها القائد الفعلي للمنظمة، إذ تفقد شريكاً مهماً في الطاقة الإنتاجية والنفوذ، ما قد يضعف دورها الجيوسياسي.

في المقابل، توقعت أن تحقق الإمارات مكاسب على المدى القصير، خصوصاً مع قدرتها على زيادة الإنتاج مستقبلاً وبيع النفط بأسعار تنافسية، لا سيما في الأسواق الآسيوية.

وفي ختام المقابلة، حذرت ميكولسكا من التبسيط المفرط في تقييم التحول نحو الطاقة المتجددة، مؤكدة أن نجاحها يعتمد على عوامل جغرافية ومناخية تختلف من دولة إلى أخرى.

وشددت على أن العالم يتجه نحو مرحلة أقل اعتماداً على العولمة، ما يفرض على الدول تعزيز أمنها الطاقي بناءً على ظروفها الخاصة، وليس وفق نماذج عامة.