تُظهر الخلافات المتصاعدة بين السعودية والإمارات في اليمن أن التنافس بين القوتين الخليجيتين لم يعد محصوراً في إدارة ملفات جانبية، بل بات يمس جوهر توازنات الأمن الإقليمي، بما يحمله من تداعيات تتجاوز الساحة اليمنية إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي وأسواق الطاقة والتحالفات الدولية في الشرق الأوسط، وفق تقرير نشرته وكالة بلومبرغ الأمريكية، اليوم الخميس.
وبحسب الوكالة، تتجه الرياض إلى إنهاء الدور الإماراتي في اليمن وتقليص نفوذ أبوظبي في ساحات أخرى، بعد سنوات من شراكة متوترة ضمن التحالف العربي.
وضغطت السعودية على الإمارات لسحب قواتها من اليمن، كما قصفت شحنة أسلحة قالت إنها كانت موجهة إلى فصائل انفصالية مدعومة من أبوظبي، في خطوة عكست انتقال الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن. وتسعى الرياض حالياً إلى إخضاع جميع القوى اليمنية المرتبطة بأبوظبي لسلطتها المباشرة، في بلد مزقته الحرب ويحتل موقعاً استراتيجياً على طرق الملاحة الدولية.
تداعيات إقليمية
وترى بلومبرغ أن تداعيات هذا الخلاف بين أكبر اقتصادين في العالم العربي، وحليفين رئيسيين للولايات المتحدة، لن تقتصر على اليمن؛ إذ قد تؤثر على الجهود الإقليمية لاحتواء إيران، وعلى استقرار وقف إطلاق النار في غزة، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على شركات تتخذ من دبي مقراً لأعمالها داخل السوق السعودية، في ظل تنافس اقتصادي متصاعد بين الجانبين.
وفي هذا السياق، تحدثت مصادر عن استدعاء قادة يمنيين مرتبطين بالإمارات إلى الرياض لتجديد الولاء، بينهم شخصيات بارزة في المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى لترسيخ سيطرته على جنوب اليمن، المنطقة المطلة على ممرات ملاحية حيوية.
وكشف المتحدث باسم قوات التحالف، تركي المالكي، عن هوية ضابط إماراتي رفيع قاد عملية نقل رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي من عدن إلى أبوظبي، في خطوة لم يصدر بشأنها تعليق فوري من أبوظبي أو المجلس الانتقالي.
وكان المجلس الانتقالي قد اتهم السعودية بمحاولة اغتيال الزبيدي بعد رفضه أمراً بالتوجه إلى الرياض، فيما قال المتحدث العسكري السعودي إن الزبيدي مُنح مهلة 48 ساعة للحضور، وإن سلاح الجو السعودي استهدف مستودع أسلحة تابعاً له. وتكشف هذه التطورات عن تصعيد غير مسبوق يُنهي عملياً اتفاقاً غير معلن بين الرياض وأبوظبي لمواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، استمر لأكثر من عقد.
تنافس قديم
وتقول منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، إن التنافس السعودي-الإماراتي "قديم ومعروف"، لكن الجديد هو خروجه إلى العلن واتخاذه طابعاً أكثر عدوانية، في ظل تشكل نظام إقليمي جديد. ووفق مصادر، رفضت السعودية محاولات وساطة خليجية، ساعية لاستغلال الأزمة لكبح طموحات الإمارات في مناطق مثل القرن الأفريقي والسودان، حيث تدعم الدولتان أطرافاً متعارضة في حرب أهلية دامية.
ويعتقد مسؤولون في مجلس التعاون الخليجي أن أبوظبي تسعى لتحقيق مصالح اقتصادية منفردة، من خلال اتفاقيات تجارة حرة وتحركات أحادية، ما يثير قلق الرياض التي تطالب بتنسيق أوسع وتبادل أكبر للمعلومات الاستخباراتية. في المقابل، تراقب الولايات المتحدة الوضع عن كثب، في وقت يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحفاظ على علاقات وثيقة مع العاصمتين الخليجيتين ضمن رؤيته لشرق أوسط مستقر اقتصادياً ومندمج إقليمياً.
وتنفي الإمارات اتهامات بدعم أطراف مسلحة في السودان أو استغلال الملف اليمني للضغط السياسي، مؤكدة أنها تعاملت مع التطورات الأخيرة "بضبط النفس" والتزام خفض التصعيد، وأن تدخلها في اليمن جاء بطلب من الحكومة الشرعية والرياض. ولم ترد الحكومة السعودية على أسئلة بلومبرغ بشأن تحركاتها الأخيرة.
وتشير الوكالة إلى أن التوتر قد ينعكس أيضاً على أسواق النفط، في ظل سجل سابق من الخلافات داخل "أوبك+" حول مستويات الإنتاج، ومع اقتراب مراجعة طاقات الإنتاج في وقت تعاني فيه المنظمة من ضغوط الأسعار المنخفضة.
ورغم محاولات التهدئة، يبقى جنوب اليمن، بموانئه المطلة على مدخل البحر الأحمر، محوراً لصراع النفوذ، ما يجعل الخلاف السعودي-الإماراتي عاملاً مؤثراً في معادلات الاستقرار الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.