استقبل رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الخميس، رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها دوليًا عبدالحميد الدبيبة، الذي يزور أبوظبي في زيارة عمل، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية.
وقالت وكالة أنباء الإمارات (وام) إن اللقاء تناول تعزيز التعاون بين البلدين بما يخدم المصالح المشتركة، كما تبادل الجانبان وجهات النظر بشأن عدد من القضايا الإقليمية، وتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، والجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار والسلام المستدام في المنطقة.
ويأتي اللقاء في توقيت لافت، بعد ساعات من نشر صحيفة تلغراف البريطانية تحقيقًا استقصائيًا نقل عن منظمة لايتهاوس ريبورتس الهولندية مزاعم بوجود شبكة معسكرات تدريب لقوات الدعم السريع السودانية داخل مناطق شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة المشير المتقاعد خليفة حفتر، الذي وصفه التحقيق بأنه مدعوم من أبوظبي.
وذكر التحقيق أن المحققين حددوا أربعة معسكرات في شرق ليبيا، بينها منشأة عسكرية قرب مدينة بنغازي، قالوا إنها تُستخدم لتدريب مقاتلين من قوات الدعم السريع على تشغيل الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة، استنادًا إلى شهادات منشقين وتحليلات للمصادر المفتوحة وصور الأقمار الصناعية.
كما تضمن التحقيق اتهامات للإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع عبر مرتزقة كولومبيين وشبكات إمداد تمر عبر الأراضي الليبية، وهي اتهامات قالت الصحيفة إنها تستند إلى شهادات ومقاطع مصورة وتحليلات بصرية، فيما نفت وزارة الخارجية الإماراتية مجددًا تقديم أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف في النزاع السوداني، مؤكدة في بيان أن "الإمارات لم تقدم، ولا تقدم، أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف من أطراف النزاع في السودان".
زيارة في توقيت حساس
وتكتسب زيارة الدبيبة أهمية خاصة في ظل الانقسام السياسي والعسكري الذي تشهده ليبيا، إذ تحظى حكومته باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، في حين تسيطر قوات المشير المتقاعد خليفة حفتر على معظم مناطق شرق البلاد، وهي المناطق ذاتها التي قال التحقيق البريطاني إنها تضم معسكرات تدريب لقوات الدعم السريع.
وبحسب التحقيق، فإن أحد هذه المواقع، المعروف باسم "المعسكر 17"، عبارة عن منشأة تابعة للجيش الوطني الليبي تبعد نحو 19 كيلومترًا خارج مدينة بنغازي، ويُستخدم - وفقًا لمنشق عن قوات الدعم السريع ومصادر ليبية - لتدريب مقاتلين جرى نقلهم إلى ليبيا برًا وجوًا على تشغيل الطائرات المسيّرة ومنظومات الأسلحة الثقيلة.
ونقل التحقيق عن منشق عن قوات الدعم السريع، أطلق عليه اسم "أحمد" حفاظًا على هويته، قوله إنه أمضى ثلاثة أشهر داخل المعسكر، وإن المدربين "لم يكونوا ليبيين ولا سودانيين، وكانت أجسادهم مغطاة بالوشوم، ويتحدثون الإنجليزية، وكانت لهم رتبة خاصة داخل المعسكر".
وأضاف أن المجندين كانوا يعتقدون أن المدربين كولومبيون، وأن الإمارات هي التي استقدمتهم وتولت دفع أجورهم.
وأشار التحقيق إلى أنه سبق تداول تقارير على نطاق واسع تفيد بأن أبوظبي موّلت مئات المرتزقة الكولومبيين، بعضهم في سن المراهقة، لتدريب والقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان.
كما لفت إلى أن الحكومة السودانية أبلغت مجلس الأمن الدولي العام الماضي بأن شركات أمن خاصة إماراتية، من بينها شركة Global Security Services Group (GSSG) ومقرها أبوظبي، تقف وراء تجنيد مرتزقة من أمريكا الجنوبية.
وقال "أحمد" إنه كان ضمن المجموعات المسؤولة عن التدريب على الأسلحة الثقيلة، مضيفًا: "درّبونا على الرشاش الثقيل (DShK)، وقاذفات الصواريخ المتعددة، وكذلك قاذفات (RPG)".
ووصف المعسكر بأنه مركز لوجستي رئيسي، قائلاً إن "جميع الإمدادات وكل ما يُرسل لدعم الحرب يصل إليه أولًا".
تحليل صور أقمار صناعية ومقاطع مصورة
ووفقًا للتحقيق، تدخل المعدات العسكرية إلى ليبيا عبر ميناء بنغازي ورحلات شحن تهبط في قواعد داخل البلاد، قبل نقلها جنوبًا إلى مناطق تجميع قرب الحدود السودانية.
وأضاف أن مقاتلين من قوات الدعم السريع المتمركزين في ليبيا نشروا آلاف المقاطع المصورة على وسائل التواصل الاجتماعي منذ اندلاع الحرب بين قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في أبريل 2023، رغم ما وصفه بمحاولات السلطات الليبية إبقاء هذه العمليات طي الكتمان.
ونقل التحقيق عن المنشق قوله: "كل شيء إماراتي. الإمارات هي التي تدعم قوات الدعم السريع"، مضيفًا أن الأسلحة كانت تُنقل بالطائرات إلى ليبيا قبل إرسالها إلى السودان.
وقالت منظمة لايتهاوس ريبورتس إنها دعمت رواية المنشق من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية للمعسكر 17 ومحيطه، إلى جانب لقطات جوية لمناطق التدريب ومجمعات المركبات، ومقاطع فيديو منشورة من جنوب ليبيا.
كما قال المحققون إنهم حددوا شاحنات تويوتا لاند كروزر 79، وهي المركبات نفسها التي سبق أن ربطها محققو الأمم المتحدة بعمليات نقل أسلحة إماراتية مزعومة إلى قوات الدعم السريع.
وأضافوا أن هذه المركبات ظهرت بشكل متكرر في محتوى مرتبط بقوات الدعم السريع وفي مناطق التجميع داخل ليبيا، معتبرين أن ذلك يمثل دليلًا على وجود شبكة إمداد منظمة.
وأشار التحقيق إلى أن تحليل آلاف المقاطع المنشورة عبر منصات "تيك توك" و"فيسبوك" و"تلغرام" أظهر ما وصفه بـ"التعاون الوثيق" بين الجيش الوطني الليبي وقوات الدعم السريع، مضيفًا أن قائد قوات الدعم السريع حميدتي ظهر مرارًا في تلك المنشورات إلى جانب خليفة حفتر نفي ليبي وإماراتي ومن قوات الدعم السريع
في المقابل، نفى مسؤولون ليبيون أن تكون قوات الدعم السريع تنشط انطلاقًا من الأراضي الليبية.
وقال الملازم فتاح إهنيش من لواء سبل السلام، ردًا على سؤال بشأن مزاعم تعاون بعض وحدات الجيش الوطني الليبي مع قوات الدعم السريع: "لا، هذه مجرد شائعات ينشرها أشخاص يحاولون إشعال صراع بين الجيش السوداني والجيش الليبي".
كما رفضت قوات الدعم السريع الاتهامات المتعلقة بتلقي دعم عسكري خارجي أو إدارة معسكرات تدريب خارج السودان.
وقال الدكتور علاء الدين نقود، المتحدث باسم إدارة "تأسيس" المتحالفة مع مليشات الدعم السريع: "هناك الكثير من الادعاءات غير الصحيحة، وقد أصدرنا بيانات نرفضها"، مضيفًا، ردًا على سؤال بشأن مزاعم المعسكرات في ليبيا: "كل شيء يخصنا نحن، ومعسكراتنا التدريبية داخل حدودنا".
من جهتها، نفت وزارة الخارجية الإماراتية تقديم أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف في النزاع السوداني، وقالت في بيان: "لم تقدم الإمارات، ولا تقدم، أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف من أطراف النزاع في السودان".