ذكرت شبكة NBC الأميركية أن مطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عدداً من الدول العربية والإسلامية بتطبيع علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي مقابل التوصل إلى اتفاق مع إيران، قوبلت بحالة من الصمت والفتور، وسط تشكيك واسع في إمكانية تحويل هذا الطرح إلى مسار دبلوماسي عملي.
وقالت الشبكة إن إصرار ترامب هذا الأسبوع على أن إنهاء الحرب مع إيران يجب أن يترافق مع توقيع عدد من الدول العربية والإسلامية اتفاقيات لتطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، بدا أشبه بمطلب مفاجئ وشامل طُرح في اللحظات الأخيرة، وهو ما قد يؤدي عادة إلى تعقيد أو إفشال المفاوضات الدبلوماسية.
وأشارت إلى أنه لم يصدر تقريباً أي رد فعل من الدول التي ذكرها ترامب بالاسم، رغم أن أكثر من نصفها يقيم بالفعل علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، كما لم يصدر أي موقف داعم من الحكومة الإسرائيلية التي قد تكون من أبرز المستفيدين من مثل هذا التوجه.
ونقلت الشبكة عن محللين قولهم إن الشرط الذي طرحه ترامب بصورة مفاجئة وغير عملية فُسّر لدى كثير من الدبلوماسيين على أنه محاولة من رئيس أميركي يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي كبير في ظل حرب لا تحظى بتأييد واسع.
كما نقلت عن مراقبين إقليميين ودبلوماسيين تأكيدهم أن الدول التي يعوّل عليها ترامب لإنجاح هذا المسار لا تتعامل مع هذا الطرح باعتباره مطلباً جدياً.
وقال الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، آرون ديفيد ميلر: "هذا تضليل".
وشبّه ميلر تركيز ترامب المفاجئ على اتفاقيات التطبيع بخطته السابقة لتحويل قطاع غزة إلى ما وصفه بـ "ريفييرا" متطورة، وهي فكرة ما زالت الإدارة الأميركية تتحدث عنها رغم استمرار الأزمة الإنسانية في القطاع وتعثر الجهود الدبلوماسية.
ونقلت الشبكة عن مسؤول عربي رفيع يشارك بصورة مباشرة في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران قوله إن ترامب أثار بالفعل ملف اتفاقيات أبراهام خلال المفاوضات، مضيفاً: هناك من يسيء فهم الموقف بشكل كبير.. يجب أن نسترد الجميل، لا أن ندفع الثمن.
وفي هذا السياق، أوضحت الشبكة أن دولاً مثل تركيا والسعودية وقطر ومصر وباكستان قد ترى أنها تستحق تقديراً أميركياً لدورها في جهود الوساطة الرامية إلى إنهاء المواجهة، بدلاً من مطالبتها بخطوات سياسية إضافية.
وقال الدبلوماسي الباكستاني السابق والسفير الأسبق لدى إيران آصف دوراني، في منشور عبر منصة «إكس»: «لقد تحملت دول الخليج بالفعل التكاليف الاقتصادية والأمنية للتصعيد. إن مطالبتها بتحمل تكاليف سياسية إضافية من خلال تطبيع العلاقات مع إسرائيل وسط مأساة غزة يُنذر بتعميق الانقسامات الإقليمية بدلاً من معالجتها».
وأضافت الشبكة أن السعودية والإمارات وقطر والأردن والبحرين تعرضت خلال الأزمة لهجمات إيرانية مضادة، رغم أنها لم تشارك بصورة مباشرة في الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولى ضد إيران.
وعندما سُئلت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي عن تصريحات ترامب، قالت إن «وسيع اتفاقيات أبراهام كان من أولويات الرئيس ترامب منذ ولايته الأولى» معتبرة أنها تمثل «متداداً طبيعياً لأي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران»
وكان ترامب قد طرح هذا التصور في منشور عبر منصة «روث سوشيال» دعا فيه ثماني دول في الشرق الأوسط وجنوب آسيا إلى التوقيع على اتفاقيات أبراهام، مشيراً إلى أنه أجرى اتصالات مع قادة هذه الدول خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وكتب ترامب: "عد كل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لمحاولة حل هذه المعضلة المعقدة، يجب أن يكون من الإلزامي أن توقع جميع هذه الدول، كحد أدنى، في وقت واحد، على اتفاقيات التطبيع»، داعياً بشكل خاص السعودية وقطر إلى الانضمام إلى الاتفاق، بل وأشار إلى أن قادة المنطقة قد يرحبون بانضمام إيران نفسها إلى هذه الاتفاقيات، مضيفاً: "يا له من أمر مميز!".
وتُعد اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال أبرز إنجازات السياسة الخارجية خلال الولاية الأولى لترامب، إذ شهدت منذ عام 2020 إقامة علاقات رسمية بين "إسرائيل" وكل من الإمارات والبحرين، قبل أن تنضم المغرب لاحقاً إلى المسار ذاته.
وترى الشبكة أن تلك الاتفاقيات مثّلت تحولاً مهماً في خريطة التحالفات الإقليمية، في ظل تنامي المخاوف العربية من النفوذ الإيراني، غير أن الحرب الإسرائيلية على غزة بعد هجمات أكتوبر 2023 أعادت تأجيج مشاعر الغضب الشعبي تجاه "إسرائيل" في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي.
ورغم أن عدداً من حكومات الخليج ينظر إلى إيران باعتبارها التهديد الأكبر لأمن المنطقة، فإن "إسرائيل" ما تزال تواجه مستويات متدنية من القبول الشعبي، وفق التقرير.
كما أعاد ترامب التأكيد على فكرته خلال حديثه للصحفيين في المكتب البيضاوي مساء الأربعاء، حين قال إنه غير متأكد من جدوى إبرام الاتفاق مع إيران إذا رفضت الدول المعنية التوقيع على اتفاقيات أبراهام.
وأشارت الشبكة إلى أن الدول الثماني التي وردت في تصريحات ترامب لم تصدر أي ردود رسمية، كما لم يعلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تلك التصريحات، رغم أن توسيع اتفاقيات أبراهام يُعد أحد الأهداف الرئيسية لسياسته الخارجية.
واكتفى مسؤول حكومي إسرائيلي بالقول إن "إسرائيل حريصة على توسيع دائرة السلام"، وإن ترامب كان ولا يزال من أبرز الداعمين لهذه الجهود.
ويرى محللون أن غياب الحماس الإسرائيلي الرسمي يعكس أيضاً درجة الحذر التي يتعامل بها كثير من الدبلوماسيين مع بعض تصريحات ترامب ومقترحاته.
وقال الباحث في معهد الدراسات الأمنية الوطنية الإسرائيلي يوئيل غوزانسكي: "بصراحة، لست متأكداً من مدى جدية الإسرائيليين في التعامل مع هذا الأمر. تصريحات ترامب غالباً ما تأتي وتذهب. ربما نسمع بعد أسبوع شيئاً معاكساً أو مختلفاً".
أما الدول الثلاث التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل"، فتعتبر – بحسب محللين – أن ملف التطبيع منفصل عن أي تفاهمات تتعلق بإيران.
وكانت السعودية وقطر قد أكدتا في مناسبات سابقة أن أي خطوة نحو الاعتراف الرسمي بإسرائيل ترتبط بقيام دولة فلسطينية، وهو ما ترفضه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
ونقلت الشبكة عن مسؤول في الشرق الأوسط، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله: «لا نشعر بأي ضغط على الإطلاق».
وأضاف: "بالنسبة لنا، كانت القضية الأهم منذ عام 2002 هي إقامة دولة فلسطينية. وقد أوضحنا منذ زمن بعيد أن الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام مشروط بوجود مسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية".
ومن هذا المنطلق، ترى الشبكة أن بعض القادة الإسرائيليين قد لا ينظرون بحماسة كاملة إلى طرح ترامب، خصوصاً إذا كان يتضمن ضمناً إمكانية تقديم تنازلات تتعلق بإقامة دولة فلسطينية.
وقال مدير السياسات في منتدى السياسات الإسرائيلية بواشنطن مايكل كوبلو: "من الواضح أن الإسرائيليين يرغبون بشدة في توسيع اتفاقيات التطبيع، ومن الواضح أيضاً أنهم يرغبون في تطبيع العلاقات مع السعودية. لكنني أعتقد أنهم يدركون أيضاً أن ربط هذه الأمور – قضية إيران بالتطبيع – لا يخدم مصالحهم على النحو الأمثل".