تناول مقال رأي تحليلي نشره السفير ويليام روبوك، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد دول الخليج العربية في واشنطن، تطورات الفجوة المستمرة بين أبوظبي والرياض، مسلطًا الضوء على ما وصفه باستراتيجية "إدارة الخطاب" التي اعتمدتها أبوظبي في التعامل مع الحملات الإعلامية والانتقادات السعودية على خلفية ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها التطبيع مع إسرائيل.
وأشار روبوك إلى أن التباعد الذي بدأ قبل نحو شهرين بين الرياض وأبوظبي لم يتبدد بالكامل، رغم تراجع حدة التوتر خلال الأيام الأخيرة مقارنة بما كان عليه الوضع في يناير الماضي، موضحًا أن الخلاف ما يزال محل اهتمام في واشنطن.
وتوقف المقال عند زيارة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إلى كل من أبوظبي والرياض يومي 18 و19 فبراير، معتبرًا أن ترتيب الزيارة – بدءًا بأبوظبي ثم الرياض – كان لافتًا في دلالاته السياسية.
وذكر روبوك أن غراهام دافع علنًا عن الإمارات عقب لقائه رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، واصفًا الانتقادات السعودية الموجهة للإمارات بشأن التطبيع بأنها "روايات كاذبة". كما عبّر عن استيائه من اتهامات ربطت بين التطبيع الإماراتي وخدمة أهداف إسرائيلية على حساب المصالح السعودية، مطالبًا بوقف هذا الخطاب.
في المقابل، زار غراهام الرياض والتقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان آل سعود، وأشاد بدور المملكة باعتبارها "مفتاح اللغز"، معربًا عن أمله في إطلاق حوار مباشر بين الجانبين لحل خلافاتهما بشأن ملفات إقليمية مثل اليمن والسودان.
وأشار المقال إلى أن غراهام أكد استمرار التزام ولي العهد السعودي برؤية تتضمن التكامل الإقليمي و"حلاً كريمًا للشعب الفلسطيني"، في إشارة غير مباشرة إلى التباينات المرتبطة بملف التطبيع واتفاقيات أبراهام.
ويرى روبوك أن الإمارات لجأت إلى ما وصفه بـ"لطف صديق قوي" يحظى بقرب من دوائر القرار في البيت الأبيض، في إشارة إلى علاقة غراهام بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، معتبرًا أن أبوظبي نجحت تاريخيًا في توظيف شبكة علاقاتها في واشنطن لتعزيز موقعها الإقليمي.
لكنه حذّر في الوقت ذاته من أن اعتماد الطرفين على وسطاء أو قنوات خارجية بدلاً من التواصل المباشر قد يؤدي إلى سوء فهم وتفاقم ردود الفعل.
استراتيجية "إدارة الخطاب" الإماراتية
وفي تحليله لطبيعة الرد الإماراتي على الحملات الإعلامية السعودية، أوضح روبوك أن أبوظبي اعتمدت نهجًا يقوم على الصمت تجاه الاتهامات الأكثر حدة، وتجنب الانخراط في سجال مباشر قد يؤدي إلى تصعيد إضافي.
وبيّن أن الخطاب الإماراتي سعى إلى إعادة تأطير الانتقادات – خاصة تلك المتعلقة بالتطبيع مع "إسرائيل" – ضمن إطار سيادي وتكنوقراطي يركز على مفاهيم الأمن الإقليمي، والقرار الوطني المستقل، والمصالح الاقتصادية، بدلًا من الانجرار إلى سجالات أيديولوجية أو دينية.
كما لفت إلى أن الإماراتيين غيّروا إيقاع الرد، مفضلين "الامتصاص وتحويل المسار والانتظار" بدل الرد بالمثل على موجات التصعيد الإعلامي.
وأشار المقال إلى أن أبوظبي استخدمت اللغة الإنجليزية في بعض ردودها، بما ساهم في توسيع دائرة التفاعل الدولي مع القضية، وتقديم الخلاف باعتباره "تباينًا في السياسات الخليجية" لا صراعًا على الولاء للمصالح العربية أو الإسلامية.
واعتبر روبوك أن إدارة السمعة الدولية تمثل أداة أساسية لدولة متوسطة الحجم تمارس نفوذًا يفوق وزنها الجغرافي، إذ تؤثر في قدرتها على بناء الشراكات الأمنية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
"الروابط الأخوية" كخط دفاع أول
ورغم حدة السجال الإعلامي، أكد روبوك أن الخطاب الإماراتي ظل يشدد على "الروابط الأخوية" مع السعودية، واعتبار العلاقات التاريخية بين البلدين حجر الزاوية في استقرار المنطقة.
وأشار إلى بيانات رسمية صدرت في 30 ديسمبر 2025، شددت على المصالح المشتركة في مكافحة الإرهاب وحماية السيادة وخفض التصعيد، كما لفت إلى تصريحات للمستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش أكدت أهمية الحكمة وضبط النفس.
وأضاف أن أصواتًا سعودية مؤثرة تبنّت بدورها خطاب "العلاقات الأخوية" والدعوة إلى الحوار، ما يعكس إدراكًا متبادلًا لأهمية احتواء الخلاف.
واختتم روبوك تحليله بالتأكيد على أن التباينات الاستراتيجية بين البلدين حقيقية ولن تختفي، إلا أن إدارة الخلاف عبر أدوات الدولة الهادئة، وتحصينه بالعلاقات الخارجية، شكّلا خط الدفاع الأول بالنسبة للإمارات.