أثار نقاش متداول على مواقع التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً حول برنامج "نافس"، ودوره في دعم توظيف المواطنين في القطاع الخاص، خصوصاً فيما يتعلق بمستويات الرواتب التي يحصل عليها الخريجون الجدد، ومدى نجاح البرنامج في تحقيق هدفه المتمثل في بناء مسارات مهنية مستقرة للمواطنين داخل القطاع الخاص.

وبدأ النقاش بتعليق من حساب يحمل اسم "حمد"، أشار فيه إلى حديث صديقة له، حديثة التخرج ولا تمتلك خبرة سابقة في سوق العمل، قالت فيه إنها "مستحيل" أن تقبل بوظيفة يقل راتبها عن 15 ألف درهم.

وأثار التعليق تفاعلاً بين عدد من المتابعين، إذ رأت "ريم" أن هناك بالفعل شركات في القطاع الخاص تقدم رواتب تصل إلى 20 ألف درهم للخريجين الجدد، موضحة أن بعض الشركات تعرض رواتب مرتفعة للخريجين حديثي التخرج، وأن الأمر في النهاية يرتبط بتفضيلات الشخص وقدرته على البحث وانتظار الفرصة المناسبة.

وقالت: "ترى في وايد شركات خاصة وأماكن تعطي حتى 20k، لا يغركم العروض الموجودة في شركات تدفع مبلغ وقدره حق الخريج الحديث، لكن كل واحد وشو يفضل، وإذا له بارض يدور أو ينتظر".

وفي السياق ذاته، اعتبر أحد المشاركين أن راتب 15 ألف درهم للخريج الجامعي يمثل بالنسبة إليه الحد الأدنى المقبول، متسائلاً عن جدوى سنوات الدراسة الجامعية إذا لم يكن هناك فارق واضح في مستوى الدخل مقارنة بالوظائف الأخرى.

وقالت مشاركة أخرى إن هذا المستوى من الراتب يفترض أن يكون طبيعياً حتى من دون دعم «نافس»، مضيفة: "المفروض هذا الراتب الطبيعي بدون نافس، صح أول ما داومت خذت راتب أقل، بس المفروض مب أقل عن 12".

نافس.. دعم للتوطين أم لزيادة دخل الموظف؟

وفي محاولة لتوضيح الهدف من البرنامج، علق صاحب الحساب "حمد" بأن هناك سوء فهم لطبيعة نافس والمبالغ التي يحصل عليها المستفيدون، مؤكداً أن البرنامج لم يُنشأ بهدف زيادة الدخل المتاح للإنفاق (Disposable Incom للمواطنين أو توفير مستوى معيشي أكثر رفاهية لهم.

وأوضح أن الهدف الأساسي من البرنامج هو زيادة أعداد المواطنين العاملين في القطاع الخاص، ومساعدتهم على بناء مساراتهم المهنية واكتساب الخبرة والاعتماد على أنفسهم.

وقال إن وجود "نافس" يجعل تكلفة توظيف المواطن على الشركات أقل خلال السنوات الأولى، وهو ما يفترض أن يمنح المواطنين فرصة لدخول القطاع الخاص واكتساب الخبرة خلال هذه الفترة، قبل الانتقال لاحقاً إلى مرحلة الترقّي داخل الشركة أو الانتقال إلى وظيفة أفضل.

وأضاف أن الهدف النهائي هو وصول المستفيد إلى مرحلة ينهي فيها استفادته من برنامج «نافس» بشكل كامل، بينما يكون راتبه قد تجاوز الحد الأقصى للدعم، بما يعني، وفق هذا التصور، أن البرنامج أدى الغرض الذي أُنشئ من أجله.

تساؤلات حول ما بعد الدعم

هذا الطرح واجهه مشاركون آخرون بالتشكيك في مدى تحقق هذه الأهداف عملياً، وقال مشعل عبدالله المطيري، رداً على "حمد"، إن مسألة الدخل المتاح للإنفاق ليست هي جوهر القضية، موضحاً أن الهدف كان، بحسب فهمه، منح المواطن راتباً يقارب ما يحصل عليه في القطاع الحكومي، مع إتاحة الفرصة له لبناء مستقبله المهني في القطاع الخاص مع مرور الوقت.

وطالب المطيري ببيانات وإحصاءات توضح مدى نجاح البرنامج في تحقيق هذا المسار، متسائلاً: "كم نسبة المواطنين في الخاص اللي الشركات رقتهم وزادت رواتبهم خلال الخمس سنوات؟ وكم نسبة الشركات الخاصة اللي نزلت رواتب المواطنين وكانت عيني عينك تقول: أنت بتستلم نافس، فعادي يكون راتبك واطي؟".

كما طرح مشارك آخر تساؤلاً حول ما إذا كان غالبية المستفيدين من "نافس" ينجحون فعلاً في بناء أنفسهم واكتساب الخبرة التي يفترض أن تقودهم إلى وظائف أفضل.

وقال إن هناك تحديات مرتبطة بالمنافسة داخل بيئة العمل، إذ إن الموظف الأجنبي الذي يُفترض أن يحل المواطن مكانه بعد عدة سنوات قد يسعى، بحسب رأيه، إلى تهميش المواطن، مضيفاً أن بعض المواطنين أنفسهم قد يساعدون في استمرار هذا الوضع، بينما يحصل آخرون على فرص الترقية.

انتقادات لبيئة العمل في القطاع الخاص

وقدم صاحب حساب "أكيرا" رواية أكثر انتقاداً للواقع الذي يواجهه المواطنون المستفيدون من "نافس"، قائلاً إن ما يحدث على أرض الواقع، من وجهة نظره، مختلف عن الهدف المعلن للبرنامج.

وأوضح أنه رغم صحة الهدف النظري لـ"نافس"، فإن تجربته في القطاع الخاص، بحسب قوله، تمثلت في الحصول على راتب يتراوح بين 7 و9 آلاف درهم، مع غياب فرص الترقية حتى بالنسبة لمن يحمل مؤهلات عليا، بما فيها الدكتوراه.

وأضاف أن العلاوات لا تكون مضمونة، إذ يتم ربطها بالتقييم السنوي ورأي المدير، مشيراً إلى أن مديره وافد وأن غالبية العاملين معه ينتمون إلى الجنسية نفسها، الأمر الذي جعله يتساءل عن فرص حصوله على العلاوة.

كما تحدث عن مخاوف تتعلق بالأمان الوظيفي، قائلاً إنه في حال قررت الشركة الاستغناء عن موظفين، يكون المواطن، بحسب تجربته، من أوائل من يتعرضون لذلك، إلى جانب ما وصفه بـ"التعنت" في تعامل بعض إدارات الموارد البشرية مع المواطنين فيما يتعلق بحقوقهم واحتياجاتهم الوظيفية.

وقال إن المشكلة، من وجهة نظره، لا تكمن في "الدلع" أو زيادة الدخل المتاح للإنفاق، مضيفاً: «صار لي سنة متوظف، لا شفت دلع ولا شفت دخل نفس الناس ولا شي".

هل الدعم يخفض تكلفة توظيف المواطن؟

وفي جانب آخر من النقاش، اعترض عبدالحميد المرزوقي على القول بأن وجود "نافس" يجعل توظيف المواطنين أقل تكلفة على الشركات خلال السنوات الأولى.

ووجه حديثه إلى "حمد"، قائلاً إن النقطة المتعلقة بانخفاض تكلفة توظيف المواطن بسبب البرنامج «غير صحيحة»، دون أن يقدم في التعليق تفاصيل إضافية حول وجهة نظره.

ويأتي هذا الجدل في وقت يؤكد فيه مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية أن برنامج "نافس" يمثل إحدى الأدوات الحكومية الرامية إلى دعم توظيف المواطنين وتأهيلهم للعمل في القطاع الخاص، في حين يرى عدد من الخريجين المواطنين أن البرنامج ليس إلا وسيلة كاذبة كمعارض التوظيف الوهمية باعتبارها محاولة للتنصل من مسؤولية توظيف الأعداد المتزايدة من الخريجين، مع استمرار منح بعض الوافدين مزايا وظيفية يرون أنها تأتي على حساب فرص أبناء الوطن.

ويُعرّف «نافس» باعتباره برنامجاً حكومياً اتحادياً يهدف إلى رفع تنافسية الكفاءات الإماراتية وتمكينها من العمل في القطاع الخاص، عبر مجموعة من البرامج والمبادرات التي تدعم التوظيف والتطوير المهني، بما يسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، مع استمرار مستهدفاته حتى عام 2040

مخاوف من التحايل على برامج التوطين

وفي النقاش، أشار أحمد إلى أن مثل هذه البرامج تمثل دعماً للسوق المحلي وللتوظيف، لكنه حذر في الوقت ذاته من إمكانية تحولها إلى مدخل للالتفاف على أهدافها أو التحايل عليها.

وقال إن هناك تجربة مشابهة، بحسب ما ذكر، انتهت إلى عدد كبير من حالات التحايل، من بينها توظيف أفراد ثم فصلهم قبل إكمال ثلاث سنوات، فضلاً عن حالات كان يُشترط فيها إعادة الراتب إلى الشركة أو المدرسة والاكتفاء بالحصول على الدعم.

وتعكس هذه المداخلات جانباً آخر من الجدل، يتعلق ليس فقط بمستوى الدعم أو الراتب الذي يحصل عليه المواطن، وإنما بمدى قدرة آليات الرقابة على ضمان أن يؤدي الدعم إلى وظيفة مستقرة ومسار مهني حقيقي، بدلاً من الاكتفاء بتحقيق أرقام التوظيف خلال فترة الدعم.

دعم جديد لرواتب فئات إضافية

ويتزامن النقاش حول "نافس" ومستويات الرواتب مع توسع البرنامج في تقديم أشكال جديدة من الدعم، من بينها مبادرات "نافس" لعام الأسرة، التي يبدأ تطبيقها في "سبتمبر 2026"، وتشمل دعم رواتب زوجات المواطنين غير الإماراتيات العاملات في القطاع الخاص والمصرفي، إلى جانب دعم رواتب أبناء المواطنات العاملين في القطاعين نفسيهما.

وبحسب ما أعلنه المجلس، يصل الدعم المالي إلى "3 آلاف درهم"، فيما يبلغ الحد الأدنى للاستفادة ألف درهم".

أبناء المواطنات

ويشترط للاستفادة من دعم رواتب أبناء المواطنات أن يكون مقدم الطلب ابن أو ابنة مواطنة إماراتية، وأن تستمر هذه الصفة طوال فترة الاستفادة، وأن يكون عاملاً في القطاع الخاص أو المصرفي لدى منشآت مسجلة لدى وزارة الموارد البشرية والتوطين أو منشآت مرخصة من المصرف المركزي.

كما يشترط وجود عقد عمل ساري المفعول ومعتمد من الجهة المختصة، وسداد الأجر عبر الأنظمة المعتمدة أو نظام حماية الأجور، وألا يقل المؤهل العلمي عن درجة البكالوريوس المعتمدة من الجهات المختصة، إضافة إلى أن يتراوح الراتب الشهري بين 6 آلاف و20 ألف درهم.

ويتم تقديم الطلب عبر منصة "نافس" باستخدامUAE Pass، وبعد التحقق من الأهلية من خلال إضافة رقم الهوية الإماراتية للأم، يمكن استكمال التسجيل وإرفاق الوثائق المطلوبة ومتابعة حالة الطلب عبر حساب المستفيد.

زوجات المواطنين

أما دعم رواتب زوجات المواطنين غير الإماراتيات العاملات في القطاع الخاص والمصرفي، فيشترط أن تكون المستفيدة زوجة مواطن إماراتي وغير إماراتية، وأن يتراوح راتبها الشهري بين 6 آلاف و15 ألف درهم، وأن تكون حاصلة على شهادة بكالوريوس على الأقل معتمدة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

كما يشترط أن يكون لديها طفلان على الأقل من الزوج المواطن، أو أن يكون قد مضى على الزواج خمس سنوات على الأقل.

ويُستثنى من شرطي عدد الأبناء ومدة الزواج أربع فئات من زوجات المواطنين، بشرط ألا تقل مدة الزواج عن سنتين، وتشمل الكوادر الطبية من حملة شهادات الطب، والكوادر التعليمية من المعلمات، وحاملات شهادات الدكتوراه المعتمدة، إضافة إلى العاملات ضمن فئات الوظائف الحيوية في سوق العمل.

ويتم التقديم والمتابعة عبر منصة "نافس" باستخدامUAE Pass، وبعد التحقق من استيفاء شروط الاستحقاق من خلال إضافة رقم الهوية الإماراتية للزوج، يمكن للمستفيدة استكمال التسجيل وإضافة الوثائق المطلوبة ومتابعة حالة الطلب عبر حسابها في المنصة.

ويكشف النقاش عن تباين واضح في تقييم تجربة "نافس"؛ فبينما يرى مؤيدو البرنامج أن الغاية الأساسية منه هي فتح الباب أمام المواطنين لدخول القطاع الخاص واكتساب الخبرة وصولاً إلى الاستقرار والترقي الوظيفي، يركز منتقدوه على ما يحدث بعد التوظيف، ولا سيما مستويات الرواتب، والترقيات، والعلاوات، والأمان الوظيفي، ومدى التزام الشركات بتحويل الدعم الحكومي إلى فرص مهنية مستدامة.

وبذلك، لا يدور الجدل حول قيمة الدعم وحدها، بل حول السؤال الأوسع: هل ينجح "نافس" في نقل المواطن من مرحلة الاستفادة من الدعم إلى مرحلة الاستقلال المهني والوظيفي داخل القطاع الخاص؟

اقرأ ايضاً:

"نافس" يدافع عن خفض الدعم المخصص لرواتب المواطنين

للمرة الألف.. معاناة المواطنين تتجدد على أبواب معارض التوظيف والأفضلية للأجانب

معارض التوظيف تتكرر من جديد وهذه المرة من دبي.. هل ستوفر فرص عمل للشباب الإماراتيين الباحثين عن العمل؟

معارض التوظيف في الدولة.. ظاهرة تتكرر بلا نتائج تذكر!

تقرير : معارض التوظيف في الدولة "واجهة إعلامية"

معرض الإمارات للوظائف.. مواطنون باحثون عن عمل يطالبون بـ"تعيينات حقيقية لا وهمية"