سلط تقرير نشرته مجلة بوليتيكو الأمريكية الضوء على طبيعة العلاقة بين الإمارات والسعودية في ظل الحرب مع إيران، معتبراً أن البلدين لا يختلفان حول الأهداف الاستراتيجية الكبرى، وإنما حول ترتيب الأولويات وآليات إدارة الأزمة. واستند التقرير إلى مقابلات مع دبلوماسيين عرب ومسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، إضافة إلى مصادر مطلعة على مشاورات إقليمية، خلصت إلى أن أبوظبي والرياض تواصلان التنسيق الوثيق لمواجهة التحديات الأمنية، مع احتفاظ كل منهما بحساباته السياسية والاقتصادية الخاصة.
وأشار التقرير إلى أن البلدين يتفقان على ضرورة منع اتساع نطاق الحرب والحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز، باعتباره شرياناً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية، إلا أنهما يختلفان في تقييم المخاطر والوسائل المناسبة لتحقيق هذه الأهداف. ويعكس هذا التباين اختلاف المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، أكثر من كونه خلافاً حول الموقف من إيران.
أين يبدأ الخلاف؟
واعتبرت المجلة أن صورة جمعت وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع الشيخ منصور بن زايد جاءت لتؤكد استمرار التنسيق السياسي بين البلدين، خصوصاً أنها تزامنت مع تصعيد الحوثيين وتهديدهم باستهداف السعودية وفرض ما وصفوه بـ"حظر الملاحة البحرية". ورأى مراقبون أن هذه الرسائل تعكس حرص العاصمتين على إظهار وحدة الموقف في مواجهة التهديدات الإيرانية والحوثية، رغم استمرار الاختلاف في بعض تفاصيل إدارة الأزمة.
وبحسب التقرير، كثفت الإمارات والسعودية، إلى جانب بقية دول مجلس التعاون الخليجي، اتصالاتها مع الإدارة الأمريكية وأعضاء في الكونغرس لتنسيق المواقف السياسية بشأن الحرب، كما أصدرت دول المجلس بيانات مشتركة تدين الهجمات الإيرانية وتؤكد أهمية استقرار المنطقة. إلا أن مسؤولاً عراقياً أوضح للمجلة أن هذا التنسيق لا يعني تبني جميع الدول الخليجية الرؤية نفسها، في ظل استمرار تباين التقديرات السياسية.
ورأى التقرير أن جذور هذه الاختلافات تمتد إلى ما هو أبعد من الملف الإيراني، إذ ترتبط بتفاوت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين. فلكل من الإمارات والسعودية بدائل لتصدير جزء من نفطهما بعيداً عن مضيق هرمز، لكن درجة ارتباط كل منهما بالاقتصاد الإيراني، وحسابات المخاطر الأمنية والخسائر الاقتصادية المحتملة، تختلف بصورة واضحة.
ونقلت المجلة عن مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ديفيد شينكر قوله إن الحرب الحالية كشفت الانقسامات القائمة داخل الخليج أكثر مما أوجدتها، مشيراً إلى أن التنسيق بين أبوظبي والرياض لا يلغي وجود خلافات تحتاج إلى معالجة. كما يرى مسؤولون أمريكيون سابقون أن العلاقات بين البلدين شهدت تحسناً خلال السنوات الأخيرة، لكن ذلك لا يعني تطابقاً كاملاً في الرؤى تجاه القضايا الإقليمية.
وأوضح التقرير أن اختلاف الأولويات ينعكس أيضاً على التعامل مع التصعيد العسكري، إذ تميل بعض العواصم الخليجية إلى إعطاء الأولوية لاحتواء الأزمة وإعادة فتح الممرات البحرية سريعاً، بينما ترى أطراف أخرى ضرورة مواصلة الضغط على إيران قبل الانتقال إلى أي تسوية سياسية.
وفي الجانب الاقتصادي، لفت التقرير إلى أن امتلاك الإمارات والسعودية، إلى جانب سلطنة عُمان، منافذ وخطوط تصدير بديلة بعيداً عن مضيق هرمز يمنحها هامشاً أكبر للمناورة مقارنة بدول مثل الكويت وقطر والبحرين، التي تعتمد بصورة أكبر على المضيق. كما أشار إلى مشاريع إماراتية لتطوير خطوط الأنابيب المرتبطة بميناء الفجيرة بهدف تأمين صادرات الطاقة وتقليل الاعتماد على الممر البحري في أوقات الأزمات.
إلى أين يتجه التنسيق؟
وأشار التقرير إلى أن التهديدات الأمنية المشتركة دفعت البلدين إلى تعزيز التعاون رغم استمرار التباينات. فالهجمات الإيرانية على البحرين والكويت والأردن، إلى جانب استهداف الحوثيين ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر، أعادت ملف الأمن البحري إلى صدارة الأولويات الخليجية، وزادت من الحاجة إلى تنسيق أوسع لحماية الملاحة الدولية.
ونقلت المجلة عن أليسون ماينور، المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي، قولها إن دول الخليج قد لا تكون قادرة على إنهاء الحرب، لكنها تستطيع لعب دور مؤثر في إدارة تداعياتها من خلال التعاون في حماية الممرات البحرية والعمل مع الشركاء الدوليين للضغط من أجل إعادة فتح مضيق هرمز.
كما رأى عدد من المسؤولين الأمريكيين السابقين أن الإمارات والسعودية لن تتمكنا بمفردهما من إنهاء الصراع، لكن بإمكانهما الإسهام في الحد من آثاره عبر تعزيز التعاون الأمني ودعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع توسع الحرب وحماية حركة التجارة الدولية.
وأكد التقرير أن دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، تسعى إلى ضمان حضورها في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بإيران، انطلاقاً من كونها الأكثر تأثراً بالانعكاسات الأمنية والاقتصادية للحرب، وهو ما يفسر تكثيف اتصالاتها مع واشنطن وشركائها الدوليين خلال الفترة الأخيرة.
وفي السياق ذاته، قال نائب الأميرال الأمريكي المتقاعد جون "فوزي" ميلر إن مجلس تعاون خليجي أكثر تماسكاً سيكون أقدر على مواجهة الهجمات الإيرانية، كما سيملك نفوذاً أكبر في أي مفاوضات مستقبلية لوقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن دول الخليج تدرك أهمية التوصل إلى تسوية لا تتركها تتحمل وحدها تبعات الحرب.
ورغم ذلك، يلفت التقرير إلى أن استمرار الحرب واستهداف البنية التحتية وناقلات النفط يقللان من فعالية البدائل المتاحة لتصدير الطاقة، ويُبقيان المخاطر الأمنية والاقتصادية مرتفعة. كما يربط التقرير التباين الحالي بخلافات سابقة بين أبوظبي والرياض في ملفات إقليمية مثل السودان واليمن، إضافة إلى روايات دبلوماسية تحدثت عن صلة بين انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك" وتباينات في إدارة الحرب مع إيران، وهي روايات لم يصدر بشأنها أي تعليق رسمي.
وخلصت بوليتيكو إلى أن العلاقة بين الإمارات والسعودية لا تشهد خلافاً حول الأهداف الاستراتيجية المتمثلة في حماية أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة، وإنما يدور التباين حول ترتيب الأولويات والوسائل المناسبة للتعامل مع إيران وإدارة الأزمة. وبذلك يبقى التنسيق بين البلدين قائماً في مواجهة التهديدات المشتركة، لكنه لا يلغي اختلاف الحسابات السياسية والاقتصادية التي تحكم قرارات كل طرف.