بينما كانت السعودية تستعد لاستضافة قمة قادة دول الخليج العربية يوم الثلاثاء، بدأ المعلقون السياسيون في دولة الإمارات في إطلاق تلميحات قوية تفيد بقرب صدور أخبار كبرى.

وبعد ذلك، تزامناً مع بدء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للاجتماع، ألقت الحكومة الإماراتية "قنبلة" من مسافة مئات الأميال: أعلنت انسحابها من منظمة "أوبك"، وهي تكتل للدول المنتجة للنفط يمارس نفوذاً كبيراً على أسعار الطاقة العالمية، تعتبر الرياض قاده الفعلي.

 وبينما يركز المحللون النفطيون على تداعيات القرار على أسعار الطاقة، تثار أحاديث أن هذه الخطوة قد تكون مجرد "طلقة تحذيرية" تسبق انسحاباً أوسع من جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي.

زلزال "أوبك": التحرر من العباءة السعودية

لأسابيع، كان المسؤولون الإماراتيون يعبرون علانية عن إحباطهم من جيرانهم العرب والخليجيين، مشتكين من موقفهم الضعيف تجاه إيران، التي أطلقت آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة على دول الخليج رداً على القصف الأمريكي والإسرائيلي. وتساءل المحللون عما إذا كانت الإمارات ستظهر استياءها هذا خلال القمة.

يُنظر إلى قرار مغادرة "أوبك" و"أوبك+" على أنه "زلزال استراتيجي" ينهي حقبة من الهيمنة الجماعية على أسواق النفط. فمن الناحية الفنية، تسعى الإمارات للوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، وهو طموح كان يصطدم دوماً بقيود الحصص التي تفرضها المنظمة بقيادة السعودية.

ويقول فراس مقصد، مدير ملف الشرق الأوسط في مجموعة "أوراسيا" إن "الإمارات لم تعد ترغب في تقييد نفسها، خاصة عندما تريد الضخ أكثر، بينما يفضل السعوديون الضخ بمستويات أقل للحفاظ على الأسعار". هذا التباين الاقتصادي يعكس واقعاً جديداً؛ فبينما تحتاج الرياض لأسعار تقترب من 100 دولار للبرميل لموازنة ميزانيتها الضخمة، تبدو أبوظبي أكثر قدرة على التعايش مع أسعار أقل مقابل زيادة حصتها السوقية وتمويل تحولها الاقتصادي.

وقال بشار الحلبي، كبير المحللين في دبي بشركة "أرغوس ميديا"، وهي شركة أبحاث للسلع الأساسية: "بينما تهدف السعودية إلى الحفاظ على أسواق النفط للقرن القادم، لا تشعر الإمارات بمثل هذا التوجه".

وزير الخارجية السعودي يستقبل عبدالله بن زايد قبل القمة الخليجية في جدة - أبريل 2026

خيبة الأمل الأمنية

وخلف الأرقام النفطية، تكمن مرارة سياسية عميقة ناتجة عن الحرب الحالية مع إيران وإغلاق مضيق هرمز. فقد تعرضت الإمارات لأكثر من 2200 هجوم بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، وهو ما دفع المسؤولين الإماراتيين للتساؤل علناً عن جدوى التحالفات الإقليمية.

وصرح أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، بلهجة غير مسبوقة قائلاً إن مجلس التعاون الخليجي يمر حالياً بـ "أضعف حالاته في التاريخ". وأضاف قرقاش أن "التضامن الخليجي لم يكن على مستوى التحدي". هذا الشعور بالانكشاف الأمني، رغم وجود معاهدات دفاع مشترك، دفع صانع القرار في أبوظبي لإعادة تقييم جدوى الاستمرار في مؤسسات وصفتها التقارير بأنها أصبحت "جوفاء".  

وتساءل الوزير السابق ونائب رئيس مجلس أمناء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، جمال سند السويدي: "هل يعقل دوله تنتمي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية وتعرضت لضربات صاروخية وتقف مع إيران لماذا؟"، في إشارة إلى تواصل المسؤولين السعوديين مع نظرائهم الإيرانيين.

وقد أدى ذلك إلى إشارات بأن الإمارات قد تجمد عضويتها في جامعة الدول العربية وربما مجلس التعاون الخليجي. ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول إماراتي، لم تسمه، قوله إن البلاد تراجع دورها ومساهماتها في المنظمات متعددة الأطراف، لكنها لا تدرس أي انسحابات أخرى في الوقت الحالي.

هل تسقط ورقة الجامعة العربية؟

وصف  طارق العتيبة الباحث الإماراتي في مركز "بيلفر" بجامعة هارفارد، التضامن العربي بأنه "وعد أجوف"، مؤكداً أن الأزمة الحالية كشفت "الأصدقاء الحقيقيين" من غيرهم. ويشير إلى أن الإمارات، التي طالما كانت ممولاً رئيساً لهذه المنظمات، لم تجد دعماً ملموساً يتجاوز بيانات الإدانة "الباردة".

من جانبه، لا يستبعد الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله صدور قرار وشيك بشأن جامعة الدول العربية، مرجحاً خيارات تشمل "تجميد العضوية" أو وقف التمويل المالي.

 ويضيف عبد الله: "هناك الكثير من إعادة التفكير الجارية حالياً.. السؤال ليس ما إذا كانت أبوظبي ستتذكر، بل كيف سيكون شكل العالم العربي عندما تقرر الإمارات المضي قدماً وحدها".

المحور الجديد

وتسود في أبوظبي وجهة نظر مفادها أن الصراع كشف عن الشركاء الذين يمكن الاعتماد عليهم وأولئك الذين لا يمكن الركون إليهم، في الوقت الذي تحملت فيه الدولة الخليجية وطأة الهجمات الإيرانية المستمرة بالصواريخ والطائرات المسيرة. ونشر الاحتلال الإسرائيلي منظومة القبة الحديدية على الأراضي الإماراتية وأرسل فريق تشغيل مجندين إسرائيليين.

وقال عبد الخالق عبد الله: "بعد مرور 40 يوماً من القصف، سيكون هناك الكثير من إعادة التفكير. لقد جرت بالفعل اجتماعات لمناقشة ما سيحدث تالياً". مضيفاً: "كان هناك تفكير فيمن وقف معنا حقاً ومن لم يفعل، إقليمياً وعالمياً، ونحن بحاجة فعلية لتعزيز العلاقات مع أولئك الذين هبوا لمساعدتنا علناً".

وأضاف لصحيفة نيويورك تايمز: "ما نشهده اليوم هو بمثابة إمارات جديدة. هكذا ستتصرف الإمارات، وهكذا ستدير شؤونها إقليمياً وعالمياً". كما قامت أبوظبي بتعميق تحالفها مع الاحتلال الإسرائيلي، في حين تلتزم الحكومات العربية الأخرى بالبقاء بعيدة أو تبتعد أكثر عنه.

يعتقد على نطاق واسع أن أبوظبي تتجه نحو نظام إقليمي جديد وتحالفات ثنائية بدلاً من التكتلات الجماعية. ويظهر هذا بوضوح في تقاربها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في مجالات الدفاع والتكنولوجيا؛ وتبتعد عن جيرانها الخليجيين والعرب وحتى العالم الإسلامي الأوسع بما في ذلك باكستان النووية.

وبدأت الإمارات بالفعل في ممارسة هذه السياسية؛ ففي مطلع هذا الشهر، سحبت ودائع بقيمة 3.5 مليار دولار من باكستان، وهو ما يمثل خمس احتياطيات النقد الأجنبي الباكستانية، في إشارة إلى استيائها من حياد باكستان تجاه إيران، مما اضطر السعودية للتدخل لمساعدة باكستان، وسط تحركات لتشكيل محور جديد للرياض وإسلام أباد وأنقرة، لمواجهة محور آخر في الإقليم تمثله تل أبيب وأبوظبي وأديس أبابا.

وفي تلميح إلى العداء لتركيا وربما لباكستان، قال أنور قرقاش: "لا يمكننا السماح لأي شخص خارج منطقة الخليج بإملاء أولوياتنا الأمنية. هذه الصواريخ لن تُوجه إليهم غداً، بل ستُوجه إلينا. لذا، يجب أن تكون هناك رؤية وسياسة وتمثيل خليجي على المستوى الوطني، وآمل على المستوى الجماعي أيضاً. الدفاع الوطني مهم للغاية، لكن يجب علينا أيضاً أن نقول إن التضامن الخليجي لم يكن بمستوى المهمة".

يبدو أن خروج الإمارات من "أوبك" و"أوبك+" لم يكن سوى البداية لعملية إعادة صياغة شاملة لتحالفاتها الإقليمية استبدالها بـ"إسرائيل" والولايات المتحدة وآخرين بما في ذلك الهند وأثيوبيا، ينعكس ذلك ليس فقط اقتصادياً بل يزيد عزلتها في محيطها الخليجي والعربي والإسلامي، وهي إشارة بأن صانع القرار ومستشاريه في أبوظبي لا يراجعون السياسات الخارجية منذ أكثر من عقدين داخلياً وخارجياً.